فهذه الآية والآيات الّتي بعدها إلى آخر السّورة ، قد خلصت لذكر بعض أسماء اللّه سبحانه وتعالى وصفاته ، لم يذكر مع أسماء اللّه وصفاته غيرهما .
وهذا يعني أنّ القرآن كلّه ، هو دعوة إلى اللّه سبحانه ، وإلى تجلّي أسمائه وصفاته على عباده . فالقرآن الكريم كلام اللّه ، وكلامه سبحانه صفة من صفاته . ففي كلمات اللّه تتجلّى صفاته على القلوب المؤمنة ، الّتي من شأنها أن تخشع لذكر اللّه .
والتّفرّد بالألوهيّة ، هو أوّل صفة للّه سبحانه ، ولهذا كانت هذه الحقيقة أوّل ما بدئ به من صفات اللّه تعالى
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ .
فهذا التّفرّد هو الّذي يجعل الكمال المطلق لصفات اللّه ، فإذا تفرّد سبحانه بالألوهيّة ، تفرّد بالكمال المطلق في كلّ شيء ، وكان من أوّل مراتب الكمال بعد التّفرّد بالألوهيّة « العلم » الّذي يحيط بكلّ ما في الوجود من غائب أو حاضر ، وباطن أو ظاهر .
فمن كمال الذّات ، كمال العلم الّذي تتّصف به ، وبهذا العلم الكامل تقوم الرّبوبيّة على كلّ ذرّة في هذا الوجود ، ما ظهر منه ، وما بطن . . .
ومن صفات الإله الواحد المتفرّد بالألوهيّة وبالعلم ، الرّحمة الّتي بها وجد هذا الوجود ، وقام بها كلّ موجود . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
الأعراف : 156 . . . ( 14 : 880 )
22 -
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ . . .
الحشر : 23
الشّربينيّ : ( هو اللّه ) أي الّذي لا يقدر على تعميم الرّحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء إلّا هو ( الّذى لا اله ) أي لا معبود بحقّ ( الّا هو الملك . . . ) . ( 4 : 258 )
أبو السّعود : قوله :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ،
كرّر لإبراز الاعتناء بأمر التّوحيد . ( 5 : 155 )
ومثله البروسويّ ( 9 : 457 ) ، والآلوسيّ ( 28 : 62 ) ، وعبد الكريم الخطيب ( 14 : 882 ) .
23 -
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى . . .
الحشر : 24
الشّربينيّ : ( اللّه ) أي الّذي ليس له سميّ فلا كفء له ، فهو المعبود بالحقّ فلا شريك له بوجه . ( 4 : 258 )
الطّباطبائيّ : إنّما صدّر الآيتين السّابقتين بقوله :
الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
فوصف به ( اللّه ) وعقّبه بالأسماء بخلاف هذه الآية ، إذ قال :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ .
. . . إلخ ، لأنّ الأسماء الكريمة المذكورة في الآيتين السّابقتين - وهي أحد عشر اسما - من لوازم الرّبوبيّة ومالكيّة التّدبير الّتي تتفرّع عليها الألوهيّة والمعبوديّة بالحقّ ، وهي على نحو الأصالة والاستقلال للّه سبحانه وحده لا شريك له في ذلك ، فاتّصافه تعالى وحده بها يستوجب اختصاص الألوهيّة واستحقاق المعبوديّة به تعالى .
فالأسماء الكريمة بمنزلة التّعليل لاختصاص الألوهيّة به تعالى ، كأنّه قيل : لا إله إلّا هو لأنّه عالم الغيب والشّهادة هو الرّحمان الرّحيم . ولذا أيضا ذيّل هذه الأسماء بقوله ثناء عليه :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
ردّا على القول بالشّركاء ، كما يقوله