لا تحمله على مذهب بني تميم ؟
قلت : يأبى ذلك أنّ كونه في السّماوات والأرض مجاز ، وكونهم فيهنّ حقيقة ، وإرادة المتكلّم بعبارة واحدة حقيقة ومجازا غير صحيحة ، على أنّ قولك : من في السّماوات والأرض وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد فيه إيهام تسوية ، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته تعالى . ( 3 : 156 )
نحوه الشّربينيّ . ( 3 : 70 )
أبو حيّان : المتبادر إلى الذّهن أنّ ( من ) فاعل ب ( يعلم ) ، و ( الغيب ) مفعول ، و ( الّا اللّه ) استثناء منقطع لعدم اندراجه في مدلول لفظ ( من ) ، وجاء مرفوعا على لغة تميم ، ودلّت الآية على أنّه تعالى هو المنفرد بعلم الغيب . [ إلى أن قال : ]
ولا يقال : إنّه مندرج في مدلول ( من ) ، فيكون « في السماوات والأرض » ظرفا حقيقيّا للمخلوقين فيهما ، ومجازيّا بالنّسبة إليه تعالى ، أي هو فيهما بعلمه ، لأنّ في ذلك جمعا بين الحقيقة والمجاز .
وأكثر العلماء ينكر ذلك ، وإنكاره هو الصّحيح . ومن أجاز ذلك فيصحّ عنده أن يكون استثناء متّصلا ، وارتفع على البدل أو الصّفة ، والرّفع أفصح من النّصب على الاستثناء ، لأنّه استثناء من نفي متقدّم ، والظّاهر عموم الغيب . وقيل : المراد غيب السّاعة . [ ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ وأضاف : ]
وملخّصه أنّه يقول : لو نصب لكان مندرجا تحت المستثنى منه ، وإذا رفع كان بدلا ، والمبدل منه في نيّة الطّرح ، فصار العامل كأنّه مفرّغ له ، لأنّ البدل على نيّة تكرار العامل ، فكأنّه قيل : قل لا يعلم الغيب إلّا اللّه . ولو أعرب ( من ) مفعولا و ( الغيب ) بدلا منه و ( الّا اللّه ) هو الفاعل - أي لا يعلم غيب من في السّماوات والأرض إلّا اللّه ، أي الأشياء الغائبة الّتي تحدث في العالم وهم لا يعلمون بحدوثها ، أي لا يسبق علمهم بذلك - لكان وجها حسنا ، وكان اللّه تعالى هو المخصوص بسابق علمه فيما يحدث في العالم . ( 7 : 91 )
الآلوسيّ : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
وقيل : [ الاستثناء ] منقطع على حدّ الاستثناء في قوله : « عشيّة » [ تقدّم في قول الزّمخشريّ ]
يعني أنّه من اتباع أحد المتباينين الآخر ، نحو ما أتاني زيد إلّا عمرو ، وما أعانه إخوانكم إلّا إخوانه ، وقد ذكرهما سيبويه . وذكر ابن مالك : أنّ الأصل فيهما :
ما أتاني أحد إلّا عمرو ، وما أعانه أحد إلّا إخوانه ، فجعل مكان « أحد » بعض مدلوله وهو زيد وإخوانكم ، ولو لم يذكر الدّخلاء فيهنّ نفى عنه الإتيان والإعانة ، ولكن ذكرا توكيدا لقسطهما من النّفي ، دفعا لتوهّم المخاطب أنّ المتكلّم لم يخطر له هذا الّذي أكّد به ، فذكرا تأكيدا ، وعليه يكون الأصل في الآية ، لا يعلم أحد الغيب إلّا اللّه ، فحذف « أحد » وجعل مكانه بعض مدلوله ، وهو
مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
والبعض الآخر من ليس فيهما ، ويكفي في كونه مدلولا له صدقه عليه ، ولا يجب في ذلك وجوده في الخارج ، فقد صرّحوا أنّ « من » الكلّيّ ما يمتنع وجود بعض أفراده أو كلّها في الخارج .
على أنّ من أجلّة الإسلاميّين من قال بوجود شيء غير اللّه عزّ وجلّ ، وليس في السّماوات ولا في الأرض ،