الأساس ، على أفكاره ومشاعره بطريقة متدرّجة تربطه بالمبدأ بشكل مدروس ، لأنّ الوجدان الشّعبيّ ، كما نلاحظ ، لا يرتبط بالفكرة من خلال الخطوط الكلّيّة ، بل من خلال الخطوط الجزئيّة . ( 16 : 186 )
17 -
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ .
النّمل : 65
الفرّاء : رفعت ما بعد ( الّا ) لأنّ في الّذي قبلها جحدا ، وهو مرفوع ، ولو نصبت كان صوابا . وفي إحدى القراءتين « ما فعلوه الا قليلا منهم » النّساء : 66 ، بالنّصب ، وفي قراءتنا بالرّفع ، وكلّ صواب . هذا إذا كان الجحد الّذي قبل ( الّا ) مع أسماء معرفة ، فإذا كان مع نكرة لم يقولوا إلّا الاتباع لما قبل ( الّا ) ، فيقولون : ما ذهب أحد إلّا أبوك ، ولا يقولون : إلّا أباك ؛ وذلك أنّ الأب كأنّه خلف من أحد ، لأنّ ذا واحد وذا واحد ، فآثروا الاتباع .
والمسألة الأولى ما قبل ( الّا ) جمع وما بعد ( الّا ) واحد منه أو بعضه وليس بكلّه . ( 2 : 298 )
الطّبريّ : واختلف أهل العربيّة في وجه رفع ( اللّه ) ، فقال بعض البصريّين : هو كما تقول : إلّا قليل منهم . وفي حرف ابن مسعود : « قليلا » بدلا من الأوّل ، لأنّك نفيته عنه ، وجعلته للآخر .
وقال بعض الكوفيّين : إن شئت أن تتوهّم في ( من ) المجهول ، فتكون معطوفة على قل لا يعلم أحد الغيب إلّا اللّه . قال : ويجوز أن تكون ( من ) معرفة ، ونزل ما بعد ( الّا ) عليه ، فيكون عطفا ولا يكون بدلا ، لأنّ الأوّل منفيّ ، والثّاني مثبت ، فيكون في النّسق ، كما تقول : قام زيد إلّا عمرو ، فيكون الثّاني عطفا على الأوّل ، والتّأويل جحد ، ولا يكون أن يكون الخبر جحدا أو الجحد خبرا . قال :
وكذلك ما فعلوه إلّا قليل ، وقليلا ، من نصب فعلى الاستثناء في عبادتكم إيّاه ، ومن رفع فعلى العطف ، ولا يكون بدلا . ( 20 : 5 )
الزّمخشريّ : لم رفع اسم ( اللّه ) واللّه يتعالى أن يكون ممّن في السّماوات والأرض ؟
قلت : جاء على لغة بني تميم حيث يقولون : ما في الدّار أحد إلّا حمار ، يريدون : ما فيها إلّا حمار ، كأنّ أحدا لم يذكر ، منه قوله :
عشيّة ما تغني الرّماح مكانها * ولا النّبل إلّا المشرفيّ المصمّم
وقولهم : ما أتاني زيد إلّا عمرو ، وما أعانه إخوانكم إلّا إخوانه .
فإن قلت : ما الدّاعي إلى اختيار المذهب التّميميّ على الحجازيّ ؟
قلت : دعت إليه نكتة سرّيّة ؛ حيث أخرج المستثنى مخرج قوله : « إلّا اليعافير » ، بعد قوله : « ليس بها أنيس » ، ليؤول المعنى إلى قولك : إن كان اللّه ممّن في السّماوات والأرض فهم يعلمون الغيب ، يعني أنّ علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون اللّه منهم ، كما أنّ معنى ما في البيت : إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس ، بتّا للقول بخلوّها عن الأنيس .
فإن قلت : هلّا زعمت أنّ ( اللّه ) ممّن في السّماوات والأرض كما يقول المتكلّمون : اللّه في كلّ مكان ، على معنى أنّ علمه في الأماكن كلّها ، فكأنّ ذاته فيها حتّى