الموضعين بالألف ، فقرأوا بالألف كلّها اتّباعا لخطّ مصحفهم .
فأمّا الّذين قرأوه ب « الألف » فلا مؤنة في قراءتهم ذلك كذلك ، لأنّهم أجروا الجواب على الابتداء ، وردّوا مرفوعا على مرفوع ؛ وذلك أنّ معنى الكلام على قراءتهم ( قل من ربّ السّماوات السّبع ، وربّ العرش العظيم ) سيقولون ربّ ذلك اللّه ، فلا مؤنة في قراءة ذلك كذلك .
وأمّا الّذين قرأوا ذلك في هذا والّذي يليه بغير « ألف » فإنّهم قالوا : معنى قوله : ( قل من ربّ السّموات ) : لمن السّماوات لمن ملك ذلك ؟ فجعل الجواب على المعنى ، فقيل : ( للّه ) ، لأنّ المسألة عن ملك ذلك لمن هو ؟ قالوا :
وذلك نظير قول قائل لرجل : من مولاك ؟ فيجيب المجيب عن معنى ما سئل ، فيقول : أنا لفلان ، لأنّه مفهوم بذلك من الجواب ، ما هو مفهوم بقوله : مولاي فلان . [ ثمّ استشهد بشعر ]
والصّواب من القراءة في ذلك ، أنّهما قراءتان ، قد قرأ بهما علماء من القرّاء ، متقاربتا المعنى ، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أنّي مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف ، لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك ، سوى خطّ مصحف أهل البصرة . ( 18 : 47 )
نحوه أبو زرعة ( 490 ) ، والطّوسيّ ( 7 : 389 ) ، والميبديّ ( 6 : 457 ) ، والطّبرسيّ ( 4 : 114 ) ، والفخر الرّازيّ ( 23 : 116 ) ، والقرطبيّ ( 12 : 145 ) ، والآلوسيّ ( 17 : 59 ) .
الطّباطبائيّ :
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
إخبار عن جوابهم ، وهو أنّ الأرض ومن فيها مملوكة للّه ، ولا مناص لهم عن الاعتراف بكونها للّه سبحانه ، فإنّ هذا النّوع من الملك لا يقوم إلّا بالعلّة الموجدة لمعلولها ؛ حيث يقوم وجود المعلول بها قياما لا يستقلّ عنها بوجه من الوجوه . والعلّة الموجدة للأرض ومن فيها هو اللّه سبحانه وحده لا شريك له ، حتّى باعتراف الوثنيّين . [ ثمّ أورد أبحاثا أخرى راجع : « ر ب ب » إلى أن قال : ]
ومن لطيف تعبير الآية التّعبير بقوله : ( للّه ) فإنّ الحجّة تتمّ بالملك وإن لم يعترفوا بالرّبوبيّة .
( 15 : 56 - 59 )
فضل اللّه : [ بعد بيان دعوة القرآن المشركين إلى التّفكير وإعمال العقل مع شرح الآيات قال : ]
الأسلوب القرآنيّ في إثارة الوجدان الشّعبيّ
وهذا الأسلوب الّذي يستخدمه القرآن لإثبات العقيدة من خلال مستلزماتها ، يرتكز على إثارة التّفاصيل الدّقيقة الّتي تلتقي بالقاعدة وتوضّحها من خلال تحريك الجزئيّات التّفصيليّة الّتي تثيرها في النّفس شيئا فشيئا ، حتّى يتعاظم الشّعور بها ، فتتّضح الصّورة للنّفس ، بعد أن كانت تبدو ضبابيّة ، تحت تأثير الأجواء الانفعاليّة وهيمنتها .
وقد يكون هذا الأسلوب ضروريّا ، لإثارة الوجدان الشّعبيّ الّذي يتأثّر بالأفكار المضادّة الّتي تشغله عن كثير من الدّقائق الّتي تنطلق منها العقيدة ، وذلك من خلال تقديم الجانب المألوف من تجارب حياته كمقدّمة لإثبات غير المألوف الّذي يتّصل بالغيب تارة ، وبالحسّ البعيد عن تجربته أخرى ، فنحتاج إلى الدّخول معه بتفاصيل حركة المعرفة ، ليمكن توزيع إيحاءات الفكرة