تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 854

مساهمون:

ص٨٥٤
فإنّ العلل والأسباب الرّاسمة لهذا النّظام العامّ - على اختلافها وتمانعها وتزاحمها - لا يبطل بعضها فعّاليّة بعض ، بمعنى أن ينتقض بعض القوانين الكلّيّة الحاكمة في النّظام ببعض ، فيتخلّف عن مورده مع اجتماع الشّرائط وارتفاع الموانع ، فهذا هو المراد من إفساد مدبّر عمل مدبّر آخر ، بل السّببان المختلفان المتنازعان حالهما في تنازعهما حال كفّتي الميزان المتنازعتين بالارتفاع والانخفاض ، فإنّهما في عين اختلافهما متّحدان في تحصيل ما يريده صاحب الميزان ويخدمانه في سبيل غرضه ، وهو تعديل الوزن بواسطة اللّسان . فإن قلت : آثار العلم والشّعور مشهودة في النّظام الجاري في الكون ، فالرّبّ المدبّر له يدبّره عن علم ، وإذا كان كذلك ، فلم لا يجوز أن يفرض هناك آلهة فوق الواحد يدبّرون أمر الكون تدبيرا تعقّليّا ، وقد توافقوا على أن لا يختلفوا ولا يتمانعوا في تدبيرهم ، حفظا للمصلحة . قلت : هذا غير معقول ، فإنّ معنى التّدبير التّعقّليّ عندنا هو أن نطبّق أفعالنا الصّادرة منّا على ما تقتضيه القوانين العقليّة الحافظة لتلائم أجزاء الفعل وانسياقه إلى غايته ، وهذه القوانين العقليّة مأخوذة من الحقائق الخارجيّة والنّظام الجاري فيها الحاكم عليها ، فأفعالنا التّعقّليّة تابعة للقوانين العقليّة ، وهي تابعة للنّظام الخارجيّ . لكنّ الرّبّ المدبّر للكون فعله نفس النّظام الخارجيّ المتبوع للقوانين العقليّة ، فمن المحال أن يكون فعله تابعا للقوانين العقليّة وهو متبوع ، فافهم ذلك . فهذا تقرير حجّة الآية ، وهي حجّة برهانيّة مؤلّفة من مقدّمات يقينيّة ، تدلّ على أنّ التّدبير العامّ الجاري بما يشتمل عليه ويتألّف منه من التّدابير الخاصّة صادر عن مبدأ واحد غير مختلف ، لكنّ المفسّرين قرّروها حجّة على نفي تعدّد الصّانع واختلفوا في تقريرها ، وربّما أضاف بعضهم إليها من المقدّمات ما هو خارج عن منطوق الآية ، وخاضوا فيها حتّى قال القائل منهم : إنّها حجّة إقناعيّة غير برهانيّة أوردت إقناعا للعامّة . ( 14 : 266 ) فضل اللّه : تعدّد الآلهة يستلزم الفساد
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ،
إنّ الكون يتحرّك بطريقة متوازنة دقيقة في كلّ مجالاته وظواهره ، الثّابتة والمتحرّكة ، حتّى في الأمور الّتي يعتبرها النّاس مظهر خلل في حركة الواقع ، أو حالة تمرّد في الطّبيعة ، فإنّها تخضع لضوابط وقواعد ، تمنعها من الذّهاب بعيدا في نتائجها السّلبيّة ، وتقرّبها من الاتّصال بالنّتائج الإيجابيّة ، في حركة الوجود الكونيّ من جهة أخرى ؛ وذلك في مثل الفيضانات والبراكين والزّلازل والعواصف ونحوها . وهكذا نجد ذلك متمثّلا في حركة المجتمعات البشريّة والحيوانيّة ، في جميع الأسس الّتي ترتكز عليها في ولادتها وفنائها ، وفي ارتفاعها وسقوطها ، فلا مجال للفساد في ما يحيط بها من ظروف وقواعد وأحكام . إنّه الدّليل على القوّة الواحدة الحكيمة القاهرة الّتي تخلق الشّيء بحساب ، وتحرّكه بنظام ، وتفنيه بقاعدة ، في إدارة حكيمة تشمل الكون كلّه ، وهو الدّليل على وحدانيّة اللّه . ولو كان الأمر كما يقول المشركون الّذين يقولون بالتّعدّد في خلق الكون ، أو في تدبيره ، لما كان هذا الأمر ممكنا ، لأنّ طبيعة التّعدّد في الذّات الإلهيّة الخالقة