الخالق القادر المدبّر التّامّ الألوهيّة ، وهو غير متعدّد عند المشركين ،
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
لقمان : 25 ، وهم يقولون في آلهتهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
الزّمر : 3 ، فما قالوا به لا تبطله الآية ؛ وما تبطله الآية لم يقولوا به ، ومن هنا قيل : معنى الآية لو كان في السّماء والأرض آلهة - كما يقول عبدة الأوثان - لزم فساد العالم ، لأنّ تلك الآلهة الّتي يقولون بها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فيلزم فساد العالم .
وأجيب بأنّ قوله تعالى :
أَمِ اتَّخَذُوا
إلخ مسوق للزّجر عن عبادة الأصنام وإن لم تكن لها الألوهيّة التّامّة ، لأنّ العبادة إنّما تليق لمن له ذلك . وبعد الزّجر عن ذلك أشار سبحانه إلى أنّ من له ما ذكر لا يكون إلّا واحدا ، على أنّ شرح اسم « الإله » هو الواجب الوجود لذاته الحيّ العالم المريد القادر الخالق المدبّر ، فمتى أطلقوه على شيء لزمهم وصفه بذلك ، شاؤوا أو أبوا فالآية لإبطال ما يلزم قولهم على أتمّ وجه . ( 17 : 23 - 28 )
الطّباطبائيّ : قد تقدّم في تفسير سورة هود « 1 » ، وتكرّرت الإشارة إليه بعده : أنّ النّزاع بين الوثنيّين والموحّدين ليس في وحدة الإله وكثرته بمعنى الواجب الوجود الموجود لذاته الموجد لغيره ، فهذا ممّا لا نزاع في أنّه واحد لا شريك له . وإنّما النّزاع في « الإله » بمعنى الرّبّ المعبود ، والوثنيّون على أنّ تدبير العالم على طبقات أجزائه مفوّضة إلى موجودات شريفة مقرّبين عند اللّه ، ينبغي أن يعبدوا حتّى يشفعوا لعبّادهم عند اللّه ، ويقرّبوهم إليه زلفى ، كربّ السّماء وربّ الأرض وربّ الإنسان ، وهكذا وهم آلهة من دونهم ، واللّه سبحانه إله الآلهة وخالق الكلّ ، كما يحكيه عنهم قوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
الزّخرف : 87 ، وقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
الزّخرف : 9 .
والآية الكريمة إنّما تنفي « الآلهة » من دون « اللّه » في السّماء والأرض بهذا المعنى ، لا بمعنى الصّانع الموجد الّذي لا قائل بتعدّده .
والمراد بكون « الإله » في السّماء والأرض ، تعلّق ألوهيّته بالسّماء والأرض لا سكناه فيهما ، فهو كقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
الزّخرف : 84 .
وتقرير حجّة الآية أنّه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتا متبائنين حقيقة ، وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم ، فيتفاسد التّدبيرات وتفسد السّماء والأرض ، لكنّ النّظام الجاري نظام واحد متلائم الأجزاء في غاياتها ، فليس للعالم آلهة فوق الواحد وهو المطلوب .
فإن قلت : يكفي في تحقّق الفساد ما نشاهده من تزاحم الأسباب والعلل ، وتزاحمها في تأثيرها في الموادّ هو التّفاسد .
قلت : تفاسد العلّتين تحت تدبيرين غير تفاسدهما تحت تدبير واحد ، ليحدّد بعض أثر بعض وينتج الحاصل من ذلك .
وما يوجد من تزاحم العلل في النّظام من هذا القبيل
هامش
( 1 ) راجع الطّباطبائيّ ( 10 : 272 - 296 ) .