للاستثناء لاستحالة شمول ما قبلها لما بعدها ، وإفضائه إلى فساد المعنى ، لدلالته حينئذ على أنّ الفساد لكونها فيهما بدونه تعالى ، ولا للرّفع على البدل ، لأنّه متفرّع على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب ، أي لو كان في السّماوات والأرض آلهة غير اللّه - كما هو اعتقادهم الباطل - ( لفسدتا ) ، أي لبطلتا بما فيهما جميعا ، وحيث انتفى التّالي علم انتفاء المقدّم قطعا .
بيان الملازمة : أنّ « الإلهيّة » مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتّصرّف فيهما على الإطلاق ، تغييرا وتبديلا وإيجادا وإعداما وإحياء وإماتة ، فبقاؤهما على ما هما عليه إمّا بتأثير كلّ منها ، وهو محال لاستحالة وقوع المعلول المعيّن بعلل متعدّدة ، وإمّا بتأثير واحد منها ، فالبواقي بمعزل من الإلهيّة قطعا .
واعلم أنّ جعل التّالي فسادهما بعد وجودهما ، لما أنّه اعتبر في المقدّم تعدّد الآلهة فيهما ، وإلّا فالبرهان يقضي باستحالة التّعدّد على الإطلاق ، فإنّه لو تعدّد الإله فإن توافق الكلّ في المراد تطاردت عليه القدر ، وإن تخالفت تعاوقت ، فلا يوجد موجود أصلا ، وحيث انتفى التّالي تعيّن انتفاء المقدّم . ( 3 : 337 )
الآلوسيّ : وقوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
إبطال لتعدّد الإله ، وضمير ( فيهما ) للسّماء والأرض ، والمراد بهما العالم كلّه علويّه وسفليّه ، والمراد بالكون فيهما التّمكّن البالغ من التّصرّف والتّدبير ، لا التّمكّن والاستقرار فيهما ، كما توهّمه الفاضل الكلنبويّ ، والظّرف على هذا متعلّق ب ( كان ) .
وقال الطّيّبّي : إنّه ظرف ل ( آلهة ) على حدّ قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
الزّخرف : 84 ، وقوله سبحانه :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
الأنعام : 3 . وجعل تعلّق الظّرف بما ذكر هاهنا ، باعتبار تضمّنه معنى الخالقيّة والمؤثّريّة .
وأنت تعلم أنّ الظّاهر ما ذكر أوّلا ، و ( الّا ) لمغايرة ما بعدها لما قبلها ، فهي بمنزلة « غير » .
وفي « المغني » أنّها تكون صفة بمنزلة « غير » فيوصف بها وبتاليها جمع منكرّا أو شبهه . ومثّل للأوّل بهذه الآية .
وقد صرّح غير واحد من المفسّرين أنّ المعنى لو كان فيهما آلهة غير اللّه .
وجعل ذلك الخفاجيّ إشارة إلى أنّ ( الّا ) هنا اسم بمعنى « غير » صفة لما قبلها ، وظهر إعرابها فيما بعدها لكونها على صورة الحرف ، كما في « أل » الموصولة في اسم الفاعل مثلا .
وأنكر الفاضل الشّمنّيّ كونها بمنزلة « غير » في الاسميّة لما في حواشي العلّامة الثّاني عند قوله تعالى :
لا فارِضٌ
البقرة : 68 ، من أنّه لا قائل باسميّة « إلّا » الّتي بمنزلة « غير » ثمّ ذكر أنّ المراد بكونها بمنزلة « غير » أنّها بمنزلتها في مغايرة ما بعدها لما قبلها ذاتا أو صفة ، ففي « شرح الكافية » للرّضيّ : أصل « غير » أن تكون صفة مفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها إمّا بالذّات نحو مررت برجل غير زيد ، وإمّا بالصّفة نحو دخلت بوجه غير الّذي خرجت به .
وأصل « إلّا » الّتي هي أمّ أدوات الاستثناء مغايرة ما بعدها لما قبلها نفيا أو إثباتا ، فلمّا اجتمع ما بعد « إلّا » وما بعد « غير » في معنى المغايرة حملت « إلّا » على « غير » في