فيكون مقهورا تحت تصرّفه فلا يكون إلها .
فإن قيل : الواحد إذا أوجد مقدوره فقد زالت قدرته عنه فيلزمكم العجز .
قلنا : الواحد إذا أوجده فقد نفذت قدرته ، فنفاذ القدرة لا يكون عجزا ، أمّا الشّريك فإنّه لمّا نفذت قدرته لم يبق لشريكه قدرة ألبتّة بل زالت قدرته بسبب قدرة الأوّل ، فيكون تعجيزا .
الحادي عشر : أن نقرّر هذه الدّلالة على وجه آخر ، وهو أن نعيّن جسما ونقول : هل يقدر كلّ واحد منهما على خلق الحركة فيه بدلا عن السّكون وبالعكس ، فإن لم يقدر كان عاجزا ، وإن قدر فنسوق الدّلالة إلى أن نقول : إذا خلق أحدهما فيه حركة امتنع على الثّاني خلق السّكون ، فالأوّل أزال قدرة الثّاني وعجزه ، فلا يكون إلها .
وهذان الوجهان يفيدان العجز نظرا إلى قدرتيهما ، والدّلالة الأولى إنّما تفيد العجز بالنّظر إلى إرادتيهما .
وثاني عشرها : أنّهما لمّا كانا عالمين بجميع المعلومات كان علم كلّ واحد منهما متعلّقا بعين معلوم الآخر ، فوجب تماثل علميهما ، والذّات القابلة لأحد المثلين قابلة للمثل الآخر ، فاختصاص كلّ واحد منهما بتلك الصّفة مع جواز اتّصافه بصفة الآخر على البدل يستدعي مخصّصا يخصّص كلّ واحد منهما بعلمه وقدرته ، فيكون كلّ واحد منهما عبدا فقيرا ناقصا .
وثالث عشرها : أنّ الشّركة عيب ونقص في الشّاهد ، والفردانيّة والتّوحّد صفة كمال ، ونرى الملوك يكرهون الشّركة في الملك الحقير المختصر أشدّ الكراهية ، ونرى أنّه كلّما كان الملك أعظم كانت النّفرة عن الشّركة أشدّ ، فما ظنّك بملك اللّه عزّ وجلّ وملكوته ، فلو أراد أحدهما استخلاص الملك لنفسه ، فإن قدر عليه كان المغلوب فقيرا عاجزا فلا يكون إلها ، وإن لم يقدر عليه كان في أشدّ الغمّ والكراهية فلا يكون إلها .
ورابع عشرها : أنّا لو قدّرنا إلهين لكان إمّا أن يحتاج كلّ واحد منهما إلى الآخر ، أو يستغني كلّ واحد منهما عن الآخر ، أو يحتاج أحدهما إلى الآخر والآخر يستغني عنه ، فإن كان الأوّل كان كلّ واحد منهما ناقصا ، لأنّ المحتاج ناقص ، وإن كان الثّاني كان كلّ واحد منهما مستغنيا عنه ، والمستغني عنه ناقص ، ألا ترى أنّ البلد إذا كان له رئيس والنّاس يحصلون مصالح البلد من غير رجوع منهم إليه ومن غير التفات منهم إليه ، عدّ ذلك الرّئيس ناقصا ، فالإله هو الّذي يستغنى به ولا يستغنى عنه ، وإن احتاج أحدهما إلى الآخر من غير عكس كان المحتاج ناقصا والمحتاج إليه هو الإله .
واعلم أنّ هذه الوجوه ظنّيّة إقناعيّة والاعتماد على الوجوه المتقدّمة .
وأمّا الدّلائل السّمعيّة فمن وجوه :
أحدها : قوله تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
الحديد : 3 ، فالأوّل هو الفرد السّابق ، ولذلك لو قال : أوّل عبد اشتريته فهو حرّ ، فلو اشترى أوّلا عبدين لم يحنث ، لأنّ شرط الأوّل أن يكون فردا ، وهذا ليس بفرد . فلو اشترى بعد ذلك واحدا لم يحنث أيضا ، لأنّ شرط الفرد أن يكون فردا سابقا وهذا ليس بسابق .
فلمّا وصف اللّه تعالى نفسه بكونه أوّلا وجب أن يكون