وزعم بعضهم ، أنّ ( لو ) هنا لانتفاء الثّاني لانتفاء الأوّل ، كما هو المشهور فيها ، ويتمّ الاستدلال ، ولا يخفى ما فيه على من دقّق النّظر .
ثمّ إنّ العلّامة قال في « شرح العقائد » : إنّ الحجّة إقناعيّة ، والملازمة عاديّة على ما هو اللّائق بالخطابيّات ، فإنّ العادة جارية بوقوع التّمانع والتّغالب عند تعدّد الحاكم ، وإلّا فإن أريد الفساد بالفعل ، أي خروجهما عن هذا النّظام المشاهد فمجرد التّعدّد لا يستلزمه ، لجواز الاتّفاق على هذا النّظام ، وإن أريد إمكان الفساد فلا دليل على انتفائه بل النّصوص شاهدة بطيّ السّماوات ورفع هذا النّظام ، فيكون ممكنا لا محالة .
وكذا لو أريد بفسادهما عدم تكوّنهما ، بمعنى أنّه لو فرض صانعان لأمكن بينهما تمانع في الأفعال ، فلم يكن أحدهما صانعا ، فلم يوجد مصنوع ، ولا تكون الملازمة قطعيّة ، لأنّ إمكان التّمانع لا يستلزم إلّا عدم تعدّد الصّانع ، وهو لا يستلزم انتفاء المصنوع .
على أنّه يرد منع الملازمة إن أريد عدم التّكوّن بالفعل ، ومنع انتفاء اللّازم إن أريد بالإمكان . انتهى .
فنفى أن تكون الآية برهانا ، سواء حمل الفساد على الخروج عن النّظام أو على عدم التّكوّن .
وفيه قدح لما أشار إليه في « شرح المقاصد » من كونها « 1 » برهانا على الثّاني ، فإنّه بعد ما قرّر برهان التّمانع قال :
وهذا البرهان يسمّى « برهان التّمانع » وإليه الإشارة بقوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ
الآية ، فإن أريد عدم التّكوّن فتقريره أن يقال : لو تعدّد الآلهة لم تتكوّن السّماء والأرض ، لأنّ تكوّنهما إمّا بمجموع القدرتين أو بكلّ منهما أو بأحدهما ، والكلّ باطل .
أمّا الأوّل فلأنّ من شأن « الإله » كمال القدرة ، وأمّا الأخيران فلما مرّ من التّوارد والرّجحان من غير مرجّح .
وإن أريد بالفساد الخروج عمّا هما عليه من النّظام ، فتقريره أن يقال : إنّه لو تعدّدت « الإله » لكان بينهما التّنازع والتّغالب ، وتمييز صنيع كلّ منهما عن الآخر ، بحكم اللّزوم العادي ، فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام الّذي باعتباره صار الكلّ بمنزلة شخص واحد ، ويختلّ أمر النّظام الّذي فيه بقاء الأنواع وترتّب الآثار ، انتهى .
وذلك القدح بأن يقال : تعدّد الإله لا يستلزم التّمانع بالفعل ، بطريق إرادة كلّ منهما وجود العالم بالاستقلال من غير مدخليّة قدرة الآخر ، بل إمكان ذلك التّمانع ، والإمكان لا يستلزم الوقوع ، فيجوز أن لا يقع ، بل يتّفقان على الايجاد بالاشتراك أو يفوّض أحدهما إلى الآخر .
وبحث فيه المولى الخياليّ بغير ذلك أيضا ، ثمّ قال :
التّحقيق في هذا المقام أنّه إن حملت الآية الكريمة على نفي تعدّد الصّانع مطلقا فهي حجّة إقناعيّة ، لكن الظّاهر من الآية نفي تعدّد الصّانع المؤثّر في السّماء والأرض . إذ ليس المراد من الكون فيهما التّمكّن فيهما بل التّصرّف والتّأثير ، فالحقّ أنّ الملازمة قطعيّة ، إذ التّوارد باطل ، فتأثيرهما إمّا على سبيل الاجتماع أو التّوزيع ، فيلزم انعدام الكلّ أو البعض عند عدم كون أحدهما صانعا ، لأنّه جزء علّة أو علّة تامّة فيفسد العالم ،
هامش
( 1 ) وفي الأصل : من كون كونها .