تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 848

مساهمون:

ص٨٤٨
« لو » غير جائز ، وكذا لا يصحّ الاستثناء من جهة المعنى . ففي « الكشف » أنّ البدل والاستثناء في الآية ممتنعان معنى ، لأنّه إذ ذاك لا يفيد ما سيق له الكلام من انتفاء التّعدّد ، ويؤدّي إلى كون الآلهة بحيث لا يدخل في عدادهم الإله الحقّ مفض إلى الفساد ، فنفي الفساد يدلّ على دخوله فيهم ، وهو من الفساد بمكان . ثمّ إنّ « الصّفة » على ما ذهب إليه ابن هشام مؤكّدة صالحة للإسقاط ، مثلها في قوله تعالى :
نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ،
الحاقّة : 13 ، فلو قيل : لو كان فيهما آلهة لفسدتا ، لصحّ وتأتّى المراد . وقال الشّلوبين ، وابن الصّائغ : لا يصحّ المعنى حتّى تكون « الّا » بمعنى « غير » الّتي يراد بها البدل والعوض . وردّ بأنّه يصير المعنى حينئذ : لو كان فيهما عدد من الآلهة بدل وعوض منه تعالى شأنه لفسدتا ، وذلك يقتضي بمفهومه أنّه لو كان فيهما اثنان هو عزّ وجلّ أحدهما لم تفسدا ، وذلك باطل . وأجيب : بأنّ معنى الآية حينئذ لا يقتضي هذا المفهوم ، لأنّ معناها لو كان فيهما عدد من الآلهة دونه أو به سبحانه بدلا منه وحده عزّ وجلّ لفسدتا ، وذلك ممّا لا غبار عليه ، فاعرف . والّذي عليه الجمهور إرادة المغايرة ، والمراد بالفساد البطلان والاضمحلال أو عدم التّكوّن ، والآية - كما قال غير واحد - مشيرة إلى دليل عقليّ على نفي تعدّد الإله ، وهو قياس استثنائيّ استثنى فيه نقيض التّالي ، لينتج نقيض المقدّم ، فكأنّه قيل : لو تعدّد الإله في العالم لفسد ، لكنّه لم يفسد ، ينتج أنّه لم يتعدّد الإله . وفي هذا استعمال ل « لو » غير الاستعمال المشهور . قال السّيّد السّند : أنّ « لو » قد تستعمل في مقام الاستدلال فيفهم منها ارتباط وجود التّالي بوجود المقدّم مع انتفاء التّالي ، فيعلم منه انتفاء المقدّم ، وهو على قلّته موجود في اللّغة ، يقال : « لو كان زيد في البلد لجاءنا » ، ليعلم منه أنّه ليس فيه ، ومنه قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا .
وقال العلّامة الثّاني : إنّ أرباب المعقول قد جعلوا « لو » أداة للتّلازم دالّة على لزوم الجزاء للشّرط من غير قصد إلى القطع بانتفائهما ، ولهذا صحّ عندهم استثناء عين المقدّم ، فهم يستعملونها للدّلالة على أنّ العلم بانتفاء الثّاني علّة للعلم بانتفاء الأوّل ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللّازم ، من غير التفات إلى أنّ علّة انتفاء الجزاء في الخارج ما هي ، لأنّهم يستعملونها في القياسات لاكتساب العلوم والتّصديقات ، ولا شكّ أنّ العلم بانتفاء الملزوم لا يوجب العلم بانتفاء اللّازم بل الأمر بالعكس . وإذا تصفّحنا وجدنا استعمالها على قاعدة اللّغة أكثر ، لكن قد تستعمل على قاعدتهم ، كما في قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما
إلخ ، لظهور أنّ الغرض منه التّصديق بانتفاء تعدّد الآلهة ، لا بيان سبب انتفاء الفساد . وفيه بحث يدفع بالعناية . ولا يخفى عليك أنّ لبعض النّحويّين نحو هذا القول ، فقد قال الشّلوبين ، وابن عصفور : إنّ « لو » لمجرّد التّعليق بين الحصولين في الماضي من غير دلالة على امتناع الأوّل والثّاني ، كما أنّ « إن » لمجرّد التّعليق في الاستقبال . والظّاهر أنّ خصوصيّة المضيّ هاهنا غير معتبرة .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 848 | مجمع البحوث الاسلامية