تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 836

مساهمون:

ص٨٣٦
كقولنا : « هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس » ، ولا يمكننا أن نعكس الأمر فنقول : الرّحمن الرّحيم ، اللّه ، فعلمنا أنّ ( اللّه ) هو اسم علم للذّات المخصوصة ، وسائر الألفاظ دالّة على الصّفات والنّعوت . الثّالث : أنّ ما سوى قولنا : ( اللّه ) كلّها دالّة إمّا على الصّفات السّلبيّة ، كقولنا : القدّوس السّلام ، أو على الصّفات الإضافيّة ، كقولنا : الخالق الرّازق ، أو على الصّفات الحقيقيّة كقولنا : العالم القادر ، أو على ما يتركّب من هذه الثّلاثة . فلو لم يكن قولنا : ( اللّه ) اسما للذّات المخصوصة ، لكان جميع أسماء اللّه تعالى ألفاظا دالّة على صفاته ، ولم يحصل فيها ما يدلّ على ذاته المخصوصة . وذلك بعيد ، لأنّه يبعد أن لا يكون له من حيث إنّه هو اسم مخصوص . والرّابع : قوله تعالى :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
مريم : 65 ، والمراد هل تعلم من اسمه اللّه غير اللّه ؛ وذلك يدلّ على أنّ قولنا : ( اللّه ) اسم لذاته المخصوصة . وإذا ظهرت هذه المقدّمة فالتّرتيب الحسن أن يذكر عقيبه الصّفات ، كقوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
الحشر : 24 ، فأمّا أن يعكس فيقال : هو الخالق المصوّر البارئ اللّه ، فذلك غير جائز . وإذا ثبت هذا فنقول : الّذين قرأوا بالرّفع أرادوا أن يجعلوا قوله : ( اللّه ) مبتدأ ، ويجعلوا ما بعده خبرا عنه . وهذا هو الحقّ الصّحيح . فأمّا الّذين قرأوا بالجرّ عطفا على ( العزيز الحميد ) فهو مشكل ، لما بيّنّا أنّ التّرتيب الحسن أن يقال : اللّه الخالق . وأمّا أن يقال : الخالق اللّه ، فهذا لا يحسن ، وعند هذا اختلفوا في الجواب على وجوه : الأوّل : [ هو قول أبي عمرو ابن العلاء وقد سبق عن الطّبريّ ] الثّاني : أنّه لا يبعد أن يذكر الصّفة أوّلا ، ثمّ يذكر الاسم ، ثمّ يذكر الصّفة مرّة أخرى ، كما يقال : مررت بالإمام الأجلّ محمّد الفقيه ، وهو بعينه ، نظير قوله :
صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ . .
وتحقيق القول فيه : أنّا بيّنّا أنّ الصّراط إنّما يكون ممدوحا محمودا إذا كان صراطا للعالم القادر الغنيّ ، واللّه تعالى عبّر عن هذه الأمور الثّلاثة بقوله : ( العزيز الحميد ) ، ثمّ لمّا ذكر هذا المعنى وقعت الشّبهة في أنّ ذلك العزيز من هو ؟ فعطف عليها قوله : ( اللّه الّذى . . . ) إزالة لتلك الشّبهة . الثّالث : [ هو قول الزّمخشريّ وقد سبق ] الرّابع : قد ذكرنا في أوّل هذا الكتاب أنّ قولنا : ( اللّه ) في أصل الوضع مشتقّ ، إلّا أنّه بالعرف صار جاريا مجرى الاسم العلم ، [ وقد سبق في النّصوص اللّغويّة ] فحيث يبدأ بذكره ويعطف عليه سائر الصّفات ، فذلك لأجل أنّه جعل اسم علم . وأمّا في هذه الآية حيث جعل وصفا ل ( العزيز الحميد ) ؛ فذلك لأجل أنّه حمل على كونه لفظا مشتقّا ، فلا جرم بقي صفة . الخامس : أنّ الكفّار ربّما وصفوا « الوثن » بكونه عزيزا حميدا ، فلمّا قال :
لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
إبراهيم : 1 بقي في خاطر عبدة الأوثان أنّه ربّما كان ذلك ( العزيز الحميد ) هو الوثن ، فأزال اللّه تعالى هذه الشّبهة وقال :
اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 836 | مجمع البحوث الاسلامية