تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 833

مساهمون:

ص٨٣٣
ومن تفرّد بتدبير جميع أمور أحد لزمه معرفة جميعها حتّى يتمّ له تدبيرها ؛ فملاحظة « المتوحّد بالألوهيّة » مستتبعة لملاحظة علمه تعالى المحيط على طرز ما تقرّر في ملاحظة اسمه عزّ اسمه ، من حيث المالكيّة الكاملة ، والتّصرّف الكامل على الوجه المتقدّم . ومن هذا يعلم اندفاع ما أورد على احتمال تعلّق الجارّ السّابق ، باعتبار ملاحظة « المتوحّد بالألوهيّة » من أنّ التّوحّد بها أمر لا تعلّق له بمكان ، فلا معنى لجعله متعلّقا بمكان ، فضلا عن جميع الأمكنة . فإنّ تدبير الخلق ممّا يتعلّق بما في حيّز الجارّ من الحيّز ، وكذا بما فيه . وتعقّب ذلك بمنع تفسير « الألوهيّة » بما ذكر ؛ ولعلّ الجملة على هاتيك التّقادير خبر ثالث . وقد جوّز غير واحد الإخبار بالجملة بعد الإخبار بالمفرد ، وبعضهم جعلها كذلك مطلقا . والقرينة على إرادة المراد من الجملة الظّرفيّة حينئذ عقليّة ، وهي أنّ كلّ أحد يعلم أنّه - تقدّس وتعالى - منزّه عمّا يقتضيه الظّاهر من المكان ؛ وذلك كما في قوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
الحديد : 4 ، إذ لم يردف بما يبيّنه . وجوّز أن تكون كلاما مبتدأ ، وهو استئناف نحويّ . ورجّحه غير واحد - لخلوّه عن التّكلّف - أو استئناف بيانيّ ، ويتكلّف له تقدير سؤال . وقيل : إنّ الجملة هي خبر ( هو ) والاسم الجليل بدل منه ، والظّرف متعلّق ب ( يعلم ) . ويكفي في ذلك كون المعلوم فيما ذكر ، ولا يتوقّف على كون العالم فيه ، ليلزم تحيّزه - سبحانه وتعالى - المحال وهذا - كما قيل - كقولك : رميت الصّيد في الحرم ، فإنّه صادق إذا كنت خارجه والصّيد فيه . . . ( 7 : 89 - 91 ) [ وله أبحاث أخر لاحظ « ع ل م » . ] فضل اللّه : لم تنطلق هذه الآية من مواجهة الفكرة الشّركيّة الّتي تتحدّث عنها الأساطير اليونانيّة ، والقصص الإغريقيّة ، من أنّ لكلّ ظاهرة كونيّة أو حياتيّة إلها خاصّا ، فللحرب إله ، وللسّلم إله ، وللشّجر إله ، وللماء إله ، وللحبّ إله ، وللسّماء إله ، وللأرض إله . بل انطلقت - واللّه العالم - لتقرير المعنى الّذي يوحي بالسّيطرة المطلقة للّه على كلّ شيء ، من خلال المعنى الّذي تتضمّنه الألوهيّة ، من سلطة ممتدّة إلى كلّ شيء ، في السّماوات والأرض ، كما في قوله تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
البقرة : 255 ، وبهذا تتحرّك الفقرة الثّانية :
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ،
في هذا الاتّجاه ، لتؤكّد الإحاطة بالإنسان في سرّه وعلانيته وجميع أعماله ، فيشعر الإنسان بالسّيطرة الإلهيّة عليه من موقع سعة علمه ، لكلّ بواطنه وظواهره ومكتسباته . أمّا إيحاءات الآية ، فإنّ الفقرة الأولى ، توحي بالشّعور بالعظمة المطلقة الّتي يحسّ الإنسان معها بالانسحاق أمام اللّه ، فيدفعه ذلك إلى الخضوع له في كلّ شيء . أمّا الفقرة الثّانية فإنّها توحي بالإحساس بالمراقبة الكلّيّة المحيطة به من جميع الجوانب ، من قبل اللّه الّذي يملك أمر حسابه وعقابه وثوابه ، فيدفعه ذلك إلى الانضباط في كلّ خطواته العمليّة ، في ما يأمره اللّه به أو ينهاه عنه . ( 9 : 24 ) 10 ، 11 -
. . . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 833 | مجمع البحوث الاسلامية