معناهما واحد ، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب .
وقد يجوز أن يكون الّذي قرأه بالرّفع أراد معنى من خفض في اتباع الكلام بعضه بعضا ، ولكنّه رفع لانفصاله من الآية الّتي قبله ، كما قال جلّ ثناؤه :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ . . .
إلى آخر الآية ، التّوبة : 111 ، ثمّ قال :
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ .
( 13 : 179 )
أبو زرعة : قرأ نافع ، وابن عامر ( اللّه الّذى له ) بالرّفع على الاستئناف ، لأنّ الّذي قبله رأس الآية . وقرأ الباقون : بالخفض ، لأنّه بدل من ( الحميد ) ولا يجوز أن يقول : نعت ل ( الحميد ) ، وإنّما هو كقولك : مررت بزيد الظّريف ، فإن قلت : بالظّريف زيد ، عاد بدلا ولم يكن نعتا . ( 376 )
الطّوسيّ : قال أبو عليّ : من قرأ بالجرّ جعله بدلا من ( الحميد ) ، ولم يكن صفة ، لأنّ الاسم وإن كان في الأصل مصدرا ، والمصادر يوصف بها كما يوصف بأسماء الفاعلين ، وكذلك كان هذا الاسم في الأصل « الإلاه » ومعناه ذو العبادة ، أي تجب العبادة له . قال أبو زيد : يقال :
تألّه الرّجل ، إذا نسك . فهذا في أنّه في الأصل مصدر قد وصف به ، مثل السّلام والعدل ، إلّا أنّ هذا الاسم غلب حتّى صار في الغلبة وكثرة الاستعمال كالعلم ، وقد يغلب ما في أصله الصّفة فيصير بمنزلة العلم . [ إلى أن قال : ]
ومن رفع قطع عن الأوّل ، ورفعه بالابتداء ، وجعل ( الّذى ) الخبر ، أو جعله صفة ، وأضمر الخبر [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] ( 6 : 269 )
نحوه الطّبرسيّ ( 3 : 302 ) ، والقرطبيّ ( 9 : 339 ) .
الزّمخشريّ : ( اللّه ) عطف بيان ل ( العزيز الحميد ) ، لأنّه جرى مجرى الأسماء الأعلام ، لغلبته واختصاصه بالمعبود الّذي تحقّ له العبادة ، كما غلب النّجم في الثّريّا .
وقرئ بالرّفع ، على « هو اللّه » . ( 2 : 365 )
ونحوه النّيسابوريّ ( 13 : 102 ) ، وأبو السّعود ( 3 :
116 ) ، والبروسويّ ( 4 : 394 ) .
الفخر الرّازيّ : [ نقل القراءات ثمّ قال : ]
وهاهنا بحث ، وهو أنّ جماعة من المحقّقين ذهبوا إلى أنّ قولنا : ( اللّه ) جار مجرى الاسم العلم ، لذات اللّه تعالى .
وذهب قوم آخرون إلى أنّه لفظ مشتقّ ، والحقّ عندنا هو الأوّل . ويدلّ عليه وجوه :
الأوّل : أنّ الاسم المشتقّ عبارة عن شيء ما حصل له المشتقّ منه ؛ فالأسود مفهومه شيء ما حصل له السّواد ، والنّاطق مفهومه شيء ما حصل له النّطق .
فلو كان قولنا : ( اللّه ) اسما مشتقّا من معنى ، لكان المفهوم منه أنّه شيء ما حصل له ذلك المشتقّ منه . وهذا المفهوم كلّيّ لا يمتنع من حيث هو هو ، عن وقوع الشّركة فيه . فلو كان قولنا : ( اللّه ) لفظا مشتقّا ، لكان مفهومه صالحا لوقوع الشّركة فيه ، ولو كان الأمر كذلك لما كان قولنا :
« لا إله إلّا اللّه » موجبا للتّوحيد ، لأنّ المستثنى هو قولنا :
( اللّه ) ، وهو غير مانع من وقوع الشّركة فيه . ولمّا اجتمعت الأمّة على أنّ قولنا : « لا إله إلّا اللّه » يوجب التّوحيد المحض ، علمنا أنّ قولنا : ( اللّه ) جار مجرى الاسم العلم .
الثّاني : أنّه كلّما أردنا أن نذكر سائر الصّفات والأسماء ذكرنا أوّلا قولنا : ( اللّه ) ، ثمّ وصفناه بسائر الصّفات ،