في ذكره وابتداء أمره من مبتدإ الآية الّتي نزلت في شأن مريم ، وهي :
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
آل عمران : 42 ، إلى آخر هذا العشر ، فلمّا تناصرت هذه الآيات المتقدّمة في ذكره ودلّت على إحداثه وخلقه ، كانت فيها دلالة على أنّه مربوب مصنوع بكثرة الأفعال الّتي أسندت إليه ، وجعلت آيات له ، وأنّه عبد من عبيده ، واللّه ربّه ومالكه والقائم بمصالحه ، وأنّه أصحبه معجزات تدلّ على صدقه في نبوّته وكذب من قال ببنوّته ، فصرفتهم تلك الأفعال الّتي تقدّم ذكرها إلى العلم بأنّه تعالى ربّه .
وكذلك في سورة مريم جاء قوله :
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
فكانت تلك العشرون الآية ناطقة بأنّ اللّه ربّه ، فاكتفى بما طال من الكلام المؤكّد لحاله على حقيقتها عن التّوكيد الّذي جاء في سورة الزّخرف : 63 و 64 ، لأنّه لم يذكر هذه الآية إلّا بعد قوله :
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ . .
فالموضع الّذي خلا من الآيات الكثيرة الدّالّة على أنّ اللّه تعالى ربّه وهو عبده لا ابنه ، حسن تأكيد الكلام فيه صرفا للنّاس عمّا ادّعوه من أنّه ابن اللّه إلى أنّه عبده . ألا ترى إلى قوله في سورة مريم : 35 و 36 :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ .
واعلم أنّ التّوكيد بقولك ( هو ) في مثل هذا الموضع يكون لأحد وجهين : إمّا أن يريد أنّه على الصّفة الّتي جعلها خبرا عنه لا على غيرها ، وإمّا أن يريد أنّ صاحب هذه الصّفة الّتي جعلت خبرا عنه إنّما هو فلان لا غيره ؛ إذ قال القائل : إنّ زيدا هو أخوك ، أي صديقك لا عدوّك ، أو يريد أن يقول : إنّه أخوك لا عمرو ، فكذلك قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
يحتمل التّوكيدين أن يريد أنّه هو خالقي والقائم بمصالحي لا غيره من الآلهة الّتي ترون عبادتها ، وأن يريد أنّه هو ربّي لا أبي كما زعمت النّصارى ، تعالى اللّه عن أن يكون له ولد . ( 67 )
نحوه ملخّصا الكرمانيّ . ( 44 )
7 -
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ .
آل عمران : 109
الطّبريّ : واختلف أهل العربيّة في وجه تكرير ( اللّه ) - تعالى ذكره - اسمه مع قوله :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
ظاهرا ، وقد تقدّم اسمه ظاهرا مع قوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ .
فقال بعض أهل العربيّة من أهل البصرة « 1 » : ذلك نظير قول العرب : أمّا زيد فذهب زيد ، وكما قال الشّاعر :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا
فأظهر في موضع الإضمار .
وقال بعض نحويّي الكوفة : ليس ذلك نظير هذا البيت ، لأنّ موضع الموت الثّاني في البيت موضع كناية لأنّه كلمة واحدة ، وليس ذلك في الآية ، لأنّ قوله :
وَلِلَّهِ
هامش
( 1 ) وهو الأخفش ( 1 : 417 ) .