بصاحبه ، فإنّهما بعد الفرقة يرجوان الغنى من عنده ، لأنّه واسع الرّزق وواسع المقدرة ، فإنّ للّه ما في السّماوات وما في الأرض ، وأرزاق العباد من جملتها .
وأمّا الثّاني فإنّه بعد قوله :
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
أي اتّقوه فإنّه واسع النّعمة والفضل والرّحمة وقد أوسعكم منها ، ووصّاكم ومن قبلكم بتقواه والاستجازة بطاعته من عقوبته ، فإنّكم إن عصيتم وكفرتم لم يكن باللّه حاجة إلى طاعتكم ، وإنّما أنتم تحتاجون إليها واللّه غنيّ حميد ؛ فوجب عليهم طاعته ، لأنّ له ما في السّماوات وما في الأرض وهو غنيّ بنفسه حميد ، لأنّه جاد بما استحمد به إلى خلقه من الإحسان إليهم والإنعام عليهم ، فالمقتضي لذكره :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
في الثّاني غير المقتضي له في الأوّل .
وأمّا الثّالث فلأنّه لمّا ذكر أنّه أوجب طاعته على من قبلهم وعليهم ، لأنّه ملك ما في السّماوات وما في الأرض ، وأنعم عليهم من ذاك ما حقّت به العبادة ، اقتضى ذاك أن يخبرهم عن دوام هذه القدرة له ، فكأنّه قال : وله ذلك دائما ، وكفى به له حافظا ، أي لا زيادة على كفايته في حفظ ما هو موكول إلى تدبيره .
والوكيل : القيّم بمصالح الشّيء ، وقيل : هو الحافظ ، وما قام اللّه بمصالحه فهو حافظه ، فقد بان أنّ ذلك ليس بتكرار .
أمّا الجواب عن المسألة الثّانية من اتّباعه قوله :
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً
فقد تضمّنه الجواب عمّا ذكرت من التّكرار ، وهو كقوله :
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ
الزّمر : 7 ، أي أنتم محتاجون إلى طاعته . لم يقتض ما تقدّم غير هذا الوصف ، ولما اتّصف تعالى « بالغنى » وكان الغنيّ إذا لم يجد من غناه مذموما ، واللّه تعالى قد عمّ بعطائه المستحقّ وغيره من الكفّار ، كان « الغنيّ الحميد » .
وأمّا قوله بعد الثّالث :
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
فإنّه لمّا كان المعنى أنّه دائم القدرة ، أخبر أنّ ما يحفظه ممّا في السّماوات وما في الأرض من يكتفي به حافظا ؛ إذ ملكه عليه دائم وتدبيره فيه قائم . ( 82 )
نحوه ملخّصا البغويّ ، والبيضاويّ ( 1 : 248 ) ، والخازن ( 1 : 506 ) .
القيسيّ : نبّهنا أوّلا على ملكه وسعته ، وثانيا على حاجتنا إليه وغناه ، وثالثا على حفظه لنا وعلمه بتدبيرنا .
( أبو حيّان 3 : 367 )
الرّاغب : [ للّه ] الأوّل للتّسلية عمّا فات ، والثّاني أنّ وصيّته لرحمته لا لحاجة ، وإنّهم إن كفروه لا يضرّوه شيئا ، والثّالث دلالته على كونه غنيّا . ( أبو حيّان 3 : 367 )
الزّمخشريّ : وتكرير قوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ . . .
تقرير لما هو موجب تقواه ليتّقوه ، فيطيعوه ولا يعصون ، لأنّ الخشية والتّقوى أصل الخير كلّه . ( 1 : 569 )
نحوه النّسفيّ ( 1 : 255 ) ، والسّيوطيّ ( الجلالين 1 :
249 ) .
ابن عطيّة : [ للّه ] الأوّل تنبيه على موضع الرّجاء يهدي المتفرّقين ، والثّاني تنبيه على استغنائه عن العباد ، والثّالث مقدّمة للوعيد . ( أبو حيّان 3 : 366 )