تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 816

مساهمون:

ص٨١٦
التّنزيهيّة للعقول المسبّحة المنزّهة يقبله تلك العقول ويمجّدونه ويسبّحونه ، وينكره كلّ من لا يكون مجرّدا بل يكون كالوهم والخيال . والنّفوس المنطبعة ؛ إذ ليس من شأنهم إدراك الحقّ إلّا في مقام التّشبيه كأكثر النّاس . وإذا تجلّى بالصّفات الثّبوتيّة فيقبله القلوب والنّفوس النّاطقة ، لأنّها مشبهة من حيث تعلّقها بالأجسام ومنزّهة من حيث تجرّد جوهرها ، وينكره المحجوبون بالتّجرّد المحض كأكثر الفلاسفة ، فيقبل كلّ نشأة من النّشآت العقليّة والنّفسيّة والخياليّة من التّجليّات الإلهيّة ما يناسبها ويليق بحالها . وأمّا الإنسان الكامل والعارف الفاضل فهو الّذي يقبل الحقّ ويهتدي بنوره في جميع تجلّياته ، ويعبده بجميع أسمائه وصفاته ، فهو عبد اللّه في الحقيقة . ولهذا سمّي بهذا الاسم أكمل نوع الإنسان صلّى اللّه عليه واله فإنّ الاسم الإلهيّ كما هو جامع لجميع الأسماء وهي تتّحد بأحديّته ، كذلك طريقه جامع طرق الأسماء كلّها ، وإن كان كلّ واحد من تلك الطّرق مختصّا باسم يربّ مظهره ويعبده ذلك المظهر من ذلك الوجه ، ويسلك سبيله المستقيم الخاصّ بذلك المظهر . وليس الجامع لها إلّا ما سلكه المظهر الجامع النّبويّ الختميّ المحمّديّ صلوات اللّه عليه وآله وخواصّ أمّته الّذين كانوا خير أمّة أخرجت للنّاس ، وهو طريق التّوحيد الّذي عليه جميع الأنبياء والأولياء ، وهو الغرض من بعثة الأنبياء ونصب الأولياء ، وبه تحصل النّجاة من عذاب النّار القطيعة وجهنّم البعد ، والاحتجاب عن ربّ الأرباب ، مع أنّ كلّ أحد يرجع إلى ربّه بوجه ، كما قال :
كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ
الأنبياء : 93 ؛ إلّا أنّ أكثرهم ناكسة رؤوسهم ، محجوبة عقولهم ، مقيّدة أبدانهم بالسّلاسل والأغلال ، وجميع الطّرق يتشعّب ويتفرّع من طريق التّوحيد . ويؤيّد ذلك ما روي « 1 » عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله لمّا أراد أن يبيّن ذلك للنّاس خطّ خطّا مستقيما ، ثمّ خطّ من جانبيها خطوطا خارجة من ذلك الخطّ ، وجعل الأصل الصّراط المستقيم الجامع ، والخطوط الخارجة منها جعل سبل الشّيطان ، كما قال اللّه تعالى :
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
الأنعام : 153 ، يعني السّبيل الّتي لكم فيها السّعادة والنّجاة ، وإلّا فالسّبل كلّها إليه ، لأنّ اللّه منتهى كلّ سبيل فإليه يرجع الأمر كلّه ، ولكن ما كلّ من رجع إليه وآب سعد ونجا عن التّفرقة والعذاب ، فسبيل السّعادة واحدة :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
يوسف : 108 ، وأمّا جميع السّبل فغايتها كلّها إلى اللّه أوّلا ثمّ يتولّاه الرّحمان آخرا ، ويبقى حكم الرّحمان فيها إلى الأبد الّذي لا نهاية لبقائه . وهذه مسألة عجيبة قلّ من استقام عقله عند سماعها ، ودرك معناها ، ووصل فهمه إلى نيل فحواها . لكنّ المقصود من بيان هذه ونظائرها ليس كلّ من له صلاحيّة المخاطبة العرفيّة دون المكاشفة الذّوقيّة ، بل من كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد ، وإن كان نوع من الانتفاع عامّ لغيره ، أو لا ترى أنّ الخطاب في الكلام المجيد شامل لكلّ أحد ، والفهم يختصّ بمن شرح اللّه صدره للإسلام فهو على نور من ربّه ؟ لقوله تعالى :
وَما
هامش
( 1 ) الدّرّ المنثور ( 3 : 56 ) .