له الكلّ ، وأمّا الأحديّة الإلهيّة فما لواحد فيها قدم ، لأنّه ينال الواحد منها شيئا والآخر منها شيئا « 1 » ، لأنّها لا تقبل التّبعيض ، فأحديّته مجموع كلّه بالقوّة » . انتهى .
المسألة الثّامنة ، في تحقيق أنّ مسمّى « اللّه » معبود للكمّل من العرفاء دون غيرهم بحسب الحقيقة .
اعلم أنّ أكثر النّاس لا يعبدون اللّه من حيث هو اللّه ، وإنّما يعبدون معتقداتهم في ما يتصوّرونه معبودا لهم ، فإلههم في الحقيقة أصنام ينحتونها ويتصوّرونها بقوّة اعتقاداتهم العقليّة والوهميّة ، وهذا هو الّذي أشار إليه عالم من أهل بيت النّبوّة والولاية سلام اللّه عليهم أجمعين « 2 » : « كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم وعقولكم في أدقّ معانيه فهو مصنوع مثلكم مردود إليكم » إلى آخر الحديث - أي فلا يعتقد معتقد من المحجوبين الّذين جعلوا الإله في صورة معتقدهم فقط إلها إلّا بما جعل في نفسه وتصوّره بوهمه ، فإلهه مجعول لنفسه ، منحوت بيد قوّته المتصرّفة ، فلا فرق بين الأصنام الّتي اتّخذت إلها وبينه في أنّه مصنوع لنفوسهم ، سواء كانت في خارجها أو في داخلها ، بل الأصنام الخارجيّة أيضا إنّما عبدت من جهة اعتقاد الألوهيّة من عابدها في حقّها ، فالصّورة الذّهنيّة معبودة حينئذ بالذّات ، والصّورة الخارجيّة معبودة بالعرض .
فمعبود عبدة الأصنام كلّها ليست إلّا صور معتقداتهم وأهواء أنفسهم ، كما أشير إليه بقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
الجاثية : 23 ، فكما أنّ أصحاب الأصنام الجسميّة يعبدون ما عملوا بأيديهم ، فكذلك أصحاب الاعتقادات الجزئيّة في حقّ الحقّ يعبدون ما كسبتها أيدي عقولهم :
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
الأنبياء : 67 .
وأمّا الكمّل من العرفاء فهم الّذين يعبدون الحقّ المطلق المسمّى باسم « اللّه » من غير تقييد باسم خاصّ وصفة مخصوصة ، فيتجلّى لهم الحقّ تعالى المنعوت بجميع الأسماء ، وهم لا ينكرونه في جميع التّجلّيات الأسمائيّة والأفعاليّة والآثاريّة ، بخلاف المحجوب المقيّد الّذي يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأنّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ، وذلك لغلبة أحكام بعض المواطن عليه واحتجاب بعض المجالي عن بعض في حقّه .
ومن هذا الاحتجاب منشأ الاختلاف بين النّاس فيكفّر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا . وكلّ أحد يثبت للحقّ تعالى غاية ما يراه ويعتقده لائقا بالرّبوبيّة من العظمة والجلالة وينكر غيرها ، وقد أخطأ وأساء الأدب معه تعالى وهو عند نفسه أنّه قد بلغ الغاية في المعرفة والتّأدّب .
وكذلك حال كثير من الملكوتيّين والملائكة إلّا الإنسان الكامل الّذي علّمه ربّه علم جميع الأسماء ومظاهرها ، كما قال اللّه تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
البقرة : 31 ، 32 .
فإذا تجلّى الحقّ سبحانه بالصّفات السّلبيّة
هامش
( 1 ) في المصدر : لا يقال لواحد منها شيء ولآخر منها شيء .
( 2 ) الحديث منسوب إلى أبي جعفر الباقر عليه السّلام وما وجدناه في الجوامع الرّوائيّة .