تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 813

مساهمون:

ص٨١٣
ظلال وعكوس لها تمثّل في الأوهام والحواسّ . وكذا الحكم في الأعيان الثّابتة وسائر المعقولات والأعيان المعلومة ، وما هي إلّا نقوش وعلامات دالّة على أنحاء الوجودات الإمكانيّة الّتي هي رشحات جود الحقّ ، وأشعّة نور الوجود المطلق ، ومظاهر أسمائه وصفاته ، ومجالي جماله وجلاله ، وأمّا نفس تلك الأعيان والماهيّات مع قطع النّظر عن الوجودات فلا وجود لها بالذّات لا عينا ولا عقلا ، كقوله تعالى :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
النّجم : 23 . ولعلّ الكلام انجرّ إلى ما لا يطيق تقريره أسماع الأنام بل يضيق عن فهمه نطاق أكثر الأفهام ، ويضعف عن سلوكه الأقدام . المسألة السّابعة ، في أنّه هل لمعنى هذا الاسم حدّ أم لا ؟ الحدّ عند الحكماء : قول دالّ على تصوّر أجزاء الشّيء ومقوّماته فما لا جزء له لا حدّ له ، ومالا حدّ له لا برهان عليه ، لأنّهما متشاركان في الحدود كما بيّن في الميزان . وإذا تقرّر هذا فلا شبهة في أنّ ذات الباري تعالى لتقدّسه عن شوب التّركيب - سواء كان من الأجزاء الوجوديّة أو المقداريّة أو الذّهنيّة أو التّحليليّة على ما اقتضاه برهان التّوحيد - لا حدّ له ولا برهان عليه . وأمّا أنّ مفهوم لفظ ( اللّه ) هل له حدّ أم لا ؟ فالحقّ هو الأوّل ، لأنّ معناه الموضوع له معنى مجمل متضمّن لمعاني جميع الصّفات الكماليّة ، فكلّ منها عند التّفصيل جزء من مفهومه . والفرق بين الحدّ والمحدود ليس إلّا بالإجمال والتّفصيل في نحوي الإدراك ، فإنّ الألفاظ المذكورة في الحدّ تدلّ على ما دلّ عليه لفظة المحدود بعينه بدلالة تفصيليّة ، وليس من شرط الحدّ أن يكون تأليفه من جنس وفصل ، بل من أجزاء الشّيء ، سواء كانت بعضها أعمّ من بعض مطلقا أو متساوية ، أو متباينة ، أو لها أعمّيّة من وجه ، إلّا أنّ المشهور بين الجمهور أنّ الحدّ لا يكون إلّا من جنس وفصل لما رأوا أنّ الحقائق المتأصّلة الّتي لها طبيعة نوعيّة لا تكون إلّا كذلك . وبالجملة كلّ لفظ وضع لمعنى إجماليّ قابل للتّحليل إلى معان متعدّدة يدلّ عليها بألفاظ متعدّدة يكون الأوّل محدودا والثّاني حدّا ، وهكذا اسم ( اللّه ) بالقياس إلى جميع الأسماء الحسنى ، فإنّ نسبة المجموع إليه بحسب المعنى نسبة الحدّ إلى المحدود ، وهذا لا يضرّ بساطة الذّات المقدّسة وأحديّة الوجود القيّوميّ تعالى عن التّصوّر والتّمثيل والتّخيّل والتّعقّل لغيره ، فإنّ كلّ ما يدركه العقل من معاني الأسماء بحسب مفهوماتها اللّغويّة والاصطلاحيّة فهي خارجة عن ساحة العزّ والكبرياء ، إنّما يجد الذّهن سبيلا إليها من ملاحظة مظاهرها ومجاليها ومشاهدة مربوباتها ومحاكيها . قال ابن العربيّ في الفصّ النّوحيّ « 1 » : « إنّ للحقّ في كلّ خلق ظهورا خاصّا فهو الظّاهر في كلّ مفهوم ، وهو الباطن عن كلّ فهم إلّا عن فهم من قال : إنّ العالم صورة « 2 » هويّته ، وهو الاسم الظّاهر ، كما أنّه بالمعنى روح ما ظهر فهو الاسم الباطن ، فنسبته لما ظهر من صور العالم
هامش
( 1 ) فصوص الحكم : 68 . ( 2 ) المصدر : صورته .