العقل ، فقد بان لك بما هو كلّ اسم عين الاسم الآخر ، وبما هو غيره ، فبما هو عينه هو الحقّ ، وبما هو غيره هو الحقّ المتخيّل الّذي كنّا بصدده ، فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه ولا ثبت كونه إلّا بعينه - » انتهى كلامه . « 1 »
أقول : مراده من « الحقّ المتخيّل » مالوّحنا إليه من أنّ كلّا من مفهومات الأسماء الإلهيّة - وإن كان بحسب نفس معناه - معرّى ( عارية - ن خ ) عن صفة الوجود الحقيقيّ - من الوجوب ، والقدم ، والحقّيّة ، والأزليّة - إلّا أنّها ممّا يجري عليه تلك الأحكام وينصبغ بها بالعرض وتقبلها بتبعيّة العين .
وهذا النّحو من الاتّحاد والعينيّة بالعرض فيما بين ذاته تعالى والأسماء الّذي ذهب إليه محقّقو العرفاء ضرب من الاتّحاد بالعرض غير ما ألفه الجمهور وشاع في الكتب العقليّة ؛ إذ ليس هذا الاتّحاد كاتّحاد العرضيّات والمشتقّات مع ذات الموضوع لها كاتّحاد الأبيض والأعمى مع زيد مثلا ، بمعنى أنّ الوجود المنسوب أوّلا وبالذّات إلى « زيد » ، هو بعينه منسوب إلى العرضيّ المشتقّ ثانيا وبالعرض - أي على سبيل المجاز - مع جواز أن يكون لهذه العرضيّات نحو آخر من الوجود يناسبها في ذاتها ، مع قطع النّظر عن عروضها للموضوع ، فإنّ لمفهوم الأبيض نحوا من الوجود في نفسه الّذي يتحقّق بعين وجوده الرّابطيّ وهو وجود العرض ، فإنّ وجود العرض هو بعينه وجوده لمحلّه ، وهذا غير الوجود بالعرض ، فإنّ هذا عندهم مجازيّ دون ذاك ، وقد تبيّن الفرق بينهما في علم الميزان .
فالحاصل أنّ اتّحاد العرضيّات بالموضوع اتّحاد بالعرض ، وموجوديّتها به موجوديّة مجازيّة لصدقها عليه بحسب مرتبة من الواقع بعد مرتبة وجود الموضوع .
وأمّا اتّحادها بالأعراض الّتي هي مبادئ اشتقاقها فهو اتّحاد بالذّات ، ووجودها كوجود تلك الأعراض وجود حقيقيّ لاتّحاد العرض والعرضيّ بالذّات ، كما هو التّحقيق عند المحقّقين .
وأمّا عينيّة صفاته المقدّسة وأسماؤه الحسنى مع الذّات الأحديّة فليست من هذا القبيل من المعيّة الّتي هي بين العرضيّ والذّاتيّ في الطّبائع الإمكانيّة ؛ إذ ليست لصفاته نحوا من الوجود غير ذاته تعالى ، ولا كمعيّة الذّاتيّات مع الذّات ، لأنّ الحقّ تعالى ليس ذا ماهيّة كلّيّة أصلا - فضلا عن أن يكون مركّبا من مقوّمات متّحدة في الوجود - بل حقيقته ليست إلّا وجودا مقدّسا بسيطا صرفا لا اسم له ولا رسم ، ولا إشارة إليه إلّا بصريح العرفان ، ولا حدّ له ولا برهان عليه ، وهو البرهان على كلّ شيء والشّاهد على كلّ وجود .
فمعنى كون صفاته عين ذاته حسبما أشرنا إليه أنّ الذّات الأحديّة بحسب مرتبة هويّته الغيبيّة وإنّيّته العينيّة - مع قطع النّظر عن انضمام أمر أو اعتبار حيثيّة غير ذاته بوجه من الوجوه - بحيث يصدق في حقّه هذه الأوصاف الكماليّة والنّعوت الجماليّة ، ويعرف منه هذه الأحكام ويستفاد منه هذه المعاني ، ويظهر من نور ذاته هذه المحامد القدسيّة ، ويتراءى في شمس وجهه هذه الشّمائل العليّة ، وهي في حدود أنفسها مع قطع النّظر عن نور وجهه لا شيئيّة لها ولا ثبوت أصلا ، فهي بمنزلة
هامش
( 1 ) فصوص الحكم : 104 وفيه فروق يسيرة .