السّلوب والإضافات .
ومنهم من قال : إنّه ( الحيّ القيّوم ) لما مرّ سابقا من الرّوايات ، لقوله صلّى اللّه عليه واله لأبيّ بن كعب « 1 » « ما أعظم آية في كتاب اللّه تعالى ؟ فقال :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ .
البقرة : 225 ، فقال : ليهنئك العلم يا أبا المنذر » وعورض بأنّ ( الحىّ ) هو الدّرّاك الفعّال ، وهذا ليس فيه عظمة ، ولأنّه صفة . وأمّا ( القيّوم ) فمعناه كونه قائما بنفسه مقوّما لغيره ، والأوّل مفهوم سلبيّ وهو استغناؤه عن غيره ، والثّاني إضافيّ . وسنذكر لك ما يليق بهذا المقام ، وبيان كون هذين الاسمين من الأسماء العظام .
ومنهم من قال : إنّ أسماء اللّه كلّها عظيمة لا ينبغي أن يتفاوت بينها ، وردّ بما مرّ من أنّ اسم الذّات أشرف من اسم الصّفة . وفيه أنّ الذّات البحتة لم يوضع له اسم ، والأولى أن يقال : إنّ المفهوم من بعض الأسماء أشرف من بعض بكثير ، إلّا أنّ القول : بأنّ الاسم الأعظم غير منحصر في واحد أو اثنين ، غير بعيد عن الصّواب كما سنشير إليه ، وبه يندفع التّدافع بين النّصوص الواردة في أعظميّة اسم ، والواردة في أعظميّة اسم آخر غيره .
ومنهم من قال : إنّ الاسم الأعظم « هو اللّه » وهو قول منصور ، لأنّك قد علمت أنّه علم للذّات المستجمعة للصّفات الكماليّة والإلهيّة ، مع التّقدّس عن جميع النّقائص الكونيّة ، فهو يجري مجرى العلم للذّات الحقيقيّة الأحديّة ، وينوب منابه ، فكأنّه دالّ على ذاته المخصوصة الأحديّة . وهذا المقام غير متحقّق لشيء من الأسماء العظام ، لعدم دلالته على ما دلّ عليه هذا الاسم إلّا على سبيل الالتزام مع بيان وبرهان ، كما في ( الحىّ القيّوم ) .
ويؤيّده ما روي عن أسماء بنت زيد أنّها روت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أنّه قال : اسم اللّه الأعظم في هاتين الآيتين
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
البقرة : 163 ، وفاتحة سورة آل عمران :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
« 2 » . وعن بريدة : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله سمع رجلا يقول : اللّهمّ إنّي أسألك بأنيّ أشهد أنّك اللّه لا إله إلّا أنت ، الأحد الصّمد الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . فقال : والّذي نفسي بيده لقد سأل اللّه باسمه الأعظم الّذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى » « 3 » . ولا شكّ أنّ الاسم ( اللّه ) في الآيتين والحديثين أصل ، والصّفات مترتّبة عليه .
والتّحقيق أنّ شرافة اسم على اسم باعتبار شرافة مدلوله بأحد الدّلالات ، فمن نظر إلى أنّ مدلول الاسم ( اللّه ) بحسب الدّلالة المطابقة هو الذّات المستجمعة لجميع الصّفات الجماليّة والجلاليّة ، ولا يوجد في الأسماء ماله هذه الجامعيّة في الدّلالة الوضعيّة إلّا اسم ( اللّه ) حكم بأنّه الأعظم ، ومن نظر إلى أنّ ( الحىّ القيّوم ) يدلّ مفصّلة على ما دلّ عليه اسم ( اللّه ) مجملا من تلك الأوصاف والنّعوت الإلهيّة الوجوبيّة - لكن على بعضها دلالة وضعيّة ، وعلى بعضها دلالة عقليّة ،
هامش
( 1 ) مضى آنفا .
( 2 ) البحار باب الاسم الأعظم : 93 : 227 ، ابن ماجة : كتاب الدّعاء ، باب اسم اللّه الأعظم 27 : 1267 ، والتّرمذيّ : كتاب الدّعوات ، باب 65 : 5 : 517 .
( 3 ) بحار الأنوار : 93 ، 224 ، والتّرمذيّ : 5 : 510 ، ابن ماجة ، الصّفحة السّابقة .