وممّا يؤكّد أنّ وضع الألفاظ للصّور الذّهنيّة أنّه قد ثبت في مقامه أن لا سبيل للعلم بأنحاء الوجودات الخارجيّة للماهيّات إلّا بالحضور العينيّ والمشاهدة الإشراقيّة أو الإحساس ، فعلى هذا كيف يتصوّر أن يفهم من مجرّد إطلاق اللّفظ الهويّة الخارجيّة ، إلّا بسبب سبق علم شهوديّ أو إحساسيّ بتلك الهويّة ، وإذا لم يكن الأمر العينيّ ممّا يتصوّر في حقّه المشاهدة الاكتناهيّة أو الإحساس - كذاته تعالى - فلا فائدة لوضع الألفاظ لذاته المخصوصة بوجه أصلا .
فإن قلت : لا شبهة في أنّ للعلوم والصّور الذّهنيّة دلالات على المعلومات والأعيان الخارجيّة - وإن لم يحضر الأمر الخارجيّ - فالعلم بها لا يتوقّف على حضورها . وأيضا لا شكّ أنّ الأحكام الخبريّة ليست كلّها جارية على مجرّد الصّور العقليّة ، وإلّا لكانت القضايا كلّها ذهنيّات فلم يبق قضيّة حقيقيّة أو خارجيّة ، فالحكم على الشّيء لا بدّ من إدراكه .
قلنا : نحن لا ننكر أنّ للصّورة العقليّة دلالة على الشّيء الخارجيّ بوجه من الوجوه ، لكنّا نقول : هذه الدّلالة على الأمر الخارجيّ بهويّته المخصوصة لا يمكن إلّا بعد العلم الحضوريّ به ، فاللّفظ إذا دلّ عليه فإنّما دلّ أوّلا على الصّورة الذّهنيّة ، وبتوسّطها على الأمر الخارجيّ بالشّرط المذكور ، وأمّا القضايا والأحكام الخارجيّة أو الحقيقيّة فالحاضر بالذّات للعقل عند إطلاق اللّفظ في الحمليّات مطلقا ليس إلّا الصّور الذّهنيّة ، إلّا أنّها قد تكون مأخوذة على وجه يصير عنوانا لحقيقة خارجيّة ، كما في المحصورات الخارجيّة ، فإنّ المحكوم عليه في قولنا : « كلّ إنسان كاتب » هو الصّورة العقليّة للإنسان المأخوذة من حيث هي هي ، على وجه يصير مرآة لملاحظة الأفراد على سبيل الإجمال ، بمعنى أنّ كلّ واحد واحد من الأفراد لو كان حاضرا مشهودا بهويّته العينيّة لكان متّحدا مع تلك الصّورة المأخوذة كذلك .
وهذا الحكم في الأفراد المقدّرة في القضيّة الحقيقيّة بخلاف الطّبيعة الذّهنيّة « 1 » ، فإنّ المحكوم عليه فيها مجرّد الصّورة من حيث كونها متعيّنة في الذّهن . ففي القبيلين المدرك بالذّات ليس إلّا صورة الشّيء الخارجيّ ووجهه دون هويّته وذاته ، إلّا أنّ في أحدهما أعتبر المطابقة مع ما في الخارج على الوجه المذكور ، وفي الآخر لم يعتبر ، وهذا هو الفرق بين العلم بوجه الشّيء وبين العلم بشيء بالوجه ، مع الاتّفاق في كون المعلوم بالذّات هو الوجه ، لا الكنه .
فقد استنار وانكشف أنّ حقيقته المقدّسة باعتبار الأحديّة الغيبيّة لا وضع للألفاظ بإزائه ؛ إذ لا يمكن له إشارة عقليّة كما لا يمكن له إشارة حسّيّة ، وهذا سرّ قوله عليه وآله الصّلاة والسّلام : « إنّ اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار ، وإنّ الملأ الأعلى يطلبونه كما أنتم تطلبونه » .
المسألة الرّابعة ، في أنّ موضوع لفظ الجلالة ماذا ؟
اعلم أنّ أقسام الأسماء الواقعة على المسمّيات تسعة :
أوّلها : اسم الشّيء بحسب ذاته كزيد .
ثانيها : اسمه بحسب جزء من أجزائه كالحيوان على
هامش
( 1 ) في طبعة نصر الدّولة بدل « بخلاف الطّبيعة الذّهنيّة » : وقد لا تكون مأخوذة على الوجه المذكور والذّهنيّة والشّخصيّة .