الأحديّة المعراة عن الاعتبارات حقيقيّة كانت أو إضافيّة أو سلبيّة - وإلّا يلزم كون هذا الاسم مع جلالته مهملا غير موضوع لمعنى ، وهو ظاهر البطلان .
وأقول في الجواب : إنّ هذا الاسم - في التّحقيق الّذي لا مجمحة فيه - من الأعلام الجنسيّة للذّات المستجمعة للصّفات الكماليّة بأسرها ، المنزّهة عن النّقائص الإمكانيّة برمّتها ، فهو علم لهذا المفهوم الجامع المقدّس المنحصر في ذات الواجب القيّوم بذاته ، وليس من أسماء الأجناس ؛ إذ ليس اسم جنس لذاته لعدم كونه تعالى كلّيّا طبيعيّا كما زعمته طائفة من المتصوّفة - تعالى عمّا يقوله الظّالمون علوّا كبيرا - ولا أيضا اسم جنس لصفة من الصّفات بخصوصها ، أيّ صفة كانت إيجابيّة أو سلبيّة ، كما مرّ ذكره .
فلم يبق من الاحتمالات إلّا الّذي ادّعيناه ؛ إذ لا يرد عليه شيء من النّقوض والإيرادات المذكورة ، وهو خارج عن الشّقوق التّسعة المشهورة . ودعوى انحصار أقسام الأسامي فيما ذكر ممنوع ، لأنّه غير مستند إلى أمر عقليّ بل مجرّد استقراء غير تامّ ، يكاد يوجد اسم خارج عن الجميع ، سواء كان للّه أو لغيره ، وسواء كان الواضع هو اللّه أو غيره .
فإن قلت : هذا الاسم أشرف الأذكار وهو الاسم الأعظم عند بعضهم ، وإذا كان كذلك فلابدّ أن يكون مسمّاه الذّات الأحديّة ، لأنّ شرف الذّكر والاسم بشرف المذكور والمسمّى ، كما أنّ شرف العلم بشرف المعلوم .
قلنا : قد مرّ أنّ ذكر الذّات الأحديّة باعتبار هويّته الغيبيّة ، وكذا تسميته بخصوصه والإشارة إليه بعينه ، والإشعار به غير متصوّر أصلا ، بل أمر مستحيل ، لأنّه من الحيثيّة المذكورة مجهول مطلق - لما سوى ذاته تعالى - والمجهول المطلق من حيث هو مجهول مطلق لا يخبر عنه ولا يذكر ، ولا يشار إليه بوجه من الوجوه .
وهذا لا يقدح في كون هذا الاسم أشرف الأذكار وأعظم الأسماء ، فإنّ المذكور والمسمّى في كلّ ذكر واسم من الأذكار والأسماء الحسنى معنى من المعاني العقليّة الاعتقاديّة الصّادقة في حقّه تعالى اللّائقة بجناب إلهيّته وقيّوميّته ، وليس شيء منها نفس ذاته المقدّسة ، لتعاليه عن أن يحوم حول إدراكه فكر أو قياس ، أو ينال ذاته عقل أو وهم أو حواسّ إلّا أنّ ما يدلّ عليه هذا الاسم باعتبار الاستجماع الّذي أشرنا إليه ، لم يبعد أن يقال : إنّه أشرف المذكورات الدّالّة عليها سائر الأسماء ، فلو اتّفق لعبد من عباده الوقوف على ذلك الاسم على ما يكون - بأن تجلّى له معناه وانكشف له فحواه - أوشك أن ينقاد له عوالم الجسمانيّات والرّوحانيّات .
ثمّ القائلون : بأنّ الاسم الأعظم معلوم « موجود - ن خ » اختلفوا فيه على وجوه :
منهم من قال : هو « ذو الجلال والإكرام » ، متمسّكين بقوله صلّى اللّه عليه واله : « ألظّوا بياذا الجلال والإكرام « 1 » » . وردّ بأنّ « الجلال » من الصّفات السّلبيّة و « الإكرام » من الإضافيّة ، ومن البيّن أنّ الذّات المأخوذة مع الصّفات الحقيقيّة أو الذّات المطلقة المأخوذة بلا قيد أشرف من
هامش
( 1 ) التّرمذيّ : كتاب الدّعوات ، باب 92 ، ( 5 : 539 ) . المسند ( 4 :
177 ) . وقال ابن الأثير : أي الزموه واثبتوا عليه . ( 4 : 252 )