العبد يبتدئ من النّكرة والجهالة ويترقّى قليلا في مقامات العبوديّة ، حتّى وصل إلى آخر مراتب الوسع والطّاقة ، ودخل في عالم المكاشفات والأنوار ، ثمّ أخذ يرجع قليلا قليلا حتّى ينتهي إلى الفناء في بحر التّوحيد ، كما قيل :
« النّهاية هي الرّجوع إلى البداية » .
ومن اللّطائف المتعلّقة بموادّ هذا الاسم وحروفه أنّك إن أسقطت « الهمزة » بقي « للّه »
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الفتح : 4 ، فإن تركت من هذه البقيّة « اللّام » الأولى بقيت البقيّة على صورة « له »
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
البقرة : 116 ، وإن تركت اللّام الباقية أيضا بقي الهاء المضمومة من « هو »
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
الإخلاص : 1 ، و « الواو » زائدة حصلت من إشباع الضّمّة ، بدليل سقوطها في التّثنية والجمع « هما ، هم » .
فانظر إلى تقدّس هذا الاسم وتنزّهه عمّا يشبه القوّة والبطلان ويوهم النّقصان والإمكان ، ولو بحسب مرتبة من مراتبه ، وتفطّن منه إلى صمديّة مسمّاه وترفّعه عن التّعطّل والقصور في إفاضة الوجود والرّحمة على ما سواه .
روي أنّ فرعون قبل أن ادّعى الإلهيّة قصد أو أمر أن يكتب ( بسم اللّه ) على بابه الخارج ، فلمّا ادّعى الإلهيّة وأرسل اللّه إليه موسى ودعاه فلم ير به الرّشد ، وقال : « إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيرا ؟ » فقال :
تعالى : « لعلّك تريد إهلاكه ، أنت تنظر إلى كفره ، وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه » ، فالنّكتة فيه أنّ من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمنا من العذاب - وإن كان كافرا - فالّذي كتبه على سويداء قلبه من أوّل عمره إلى آخره كيف يكون ؟
المسألة الثّانية ، في كيفيّة التّلفّظ باسم الجلالة :
اعلم أنّ القرّاء والمجوّدين استحسنوا تفخيم « اللّام » وتغليظها من لفظ ( اللّه ) بعد الفتحة والضّمّة دون الكسرة ، أمّا الأوّل فللفرق بينه وبين لفظ « اللّات » في الذّكر ، ولأنّ التّفخيم مشعر بالتّعظيم ، ولأنّ اللّام الرّقيقة تذكر بطرف اللّسان والغليظة تذكر بكلّ اللّسان ، فكان العمل فيه أكثر ، فيكون أدخل في الثّواب ، وهذا كما جاء في التّوراة : « أجب ربّك بكلّك » ، وربّما قال بعضهم بالوجوب مستدلّا بأنّه أمر شائع فلا يجوز خلافه .
وأمّا الثّاني فلأنّ النّقل من الكسرة إلى اللّام الغليظة ثقيل على اللّسان ، لكونه كالصّعود بعد الانحدار .
وربّما قيل بالتّفخيم في الأحوال الثّلاثة ، ونقل ذلك عن بعض القرّاء .
وإنّما لم تعدّ اللّام الغليظة حرفا والرّقيقة حرفا آخر كما عدّ الدّال حرفا والطّاء حرفا آخر - مع أنّ نسبة الرّقيقة إلى الغليظة كنسبة الدّال إلى الطّاء ، فإنّ الدّال بطرف اللّسان والطّاء بكلّ اللّسان - لاطّراد استعمال الغليظة مكان كلّ رقيقة ما لم يعق عائق الكسرة ، وعدم اطّراد الطّاء مكان كلّ دال .
أقول : وهاهنا وجه آخر وهو أنّ الوجدان يجد تفرقة بينهما ، سوى التّفاوت بالجزئيّة والكلّيّة في المخرج ، وهو التّفاوت بالرّخاوة والشّدّة ، مع أنّ كليهما من الحروف الشّديدة عند القرّاء ، وهي حروف « أجد قط بكت » إذ لا شبهة لأحد أنّ جميع هذه الحروف ليست في درجة