تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 795

مساهمون:

ص٧٩٥
القشيريّ : الّذي له الإلهيّة . والإلهيّة استحقاق نعوت الجلال ، فمعنى ( بسم اللّه ) باسم من تفرّد بالقوّة والقدرة . ( 1 : 65 ) قدّم اللّه سبحانه اسم ( اللّه ) في هذا المحلّ على اسميه ( الرّحمن ) و ( الرّحيم ) على وجه البيان والحكم ؛ فبرحمته الدّنيويّة وصل العبد إلى معرفته الإلهيّة . ( 3 : 165 ) الميبديّ : سمّى ربّ العزّة نفسه في القرآن ( اللّه ) في ثلاثة آلاف وسبعة وعشرين موضعا « 1 » . وقال في الّذين سمّوا صنما لهم « لاتا » :
يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
الأعراف : 180 ، وقد أرادوا أن يسمّوا أصنامهم باسمه تعالى ، واللّه تعالى قد نكّسها فسمّوها « اللّات » وهو صنم واللّه خالقه واللّه جلّ جلاله يقول :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا .
أي لا تسمّوا أحدا ب « اللّه » إلّا هو تعالى . ( 1 : 5 ) إن قيل : إنّ أسماء اللّه تعالى كثيرة في القرآن والسّنّة ، وكلّها أزليّة كريمة مقدّسة وجميلة ، فلم ابتدأ القرآن بهذه الأسماء الثّلاثة ( اللّه ) و ( الرّحمن ) و ( الرّحيم ) واختارها دون غيرها من سائر الأسماء الكثيرة ؟ الجواب : أنّ هناك فائدتين في ذكرها هنا : الأولى : أنّه تعالى أراد أن يخفّف على عباده دون أن ينقص من ثوابهم شيئا ، لأنّه يعلم أنّهم لا يقدرون على حفظ تلك الأسماء الكثيرة ، وذكرها إلّا قليل من العباد ، فجمع معانيها في هذه الأسماء الثّلاثة . وتنحصر معاني هذه الأسماء بأقسام ثلاثة : الأوّل : الجلال والهيبة ، والثّاني : النّعمة والتّربية ، والثّالث : الرّحمة والمغفرة . فما دلّ على الجلال والهيبة فهو يتجلّى في لفظ ( اللّه ) ، وما دلّ على النّعمة والتّربية فيتجلّى في لفظ ( الرّحمن ) ، وما دلّ على الرّحمة والمغفرة ففي لفظ ( الرّحيم ) ، لكي تتداولها ألسن العباد ، فيثيبهم ويرحمهم بذلك . والثّانية : أنّه جلّ جلاله حينما بعث المصطفى رسولا إلى عباده كانوا ثلاث فرق : الوثنيّين ، واليهود ، والنّصارى . أمّا الفرقة الأولى فقد كانت تعرف الخالق باسم « اللّه » وهذا الاسم كان مشهورا بينهم ، ولذا قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
لقمان : 25 . وأمّا اليهود فكانوا يعرفونه تعالى باسم « الرّحمن » ، ولذا قال عبد اللّه بن سلّام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : لا أدري في القرآن اسما كنّا نقرأه في التّوراة ، قال : وما هو ؟ قال « الرّحمن » فأنزل اللّه تعالى :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
الإسراء : 110 . وكان النّصارى يعرفونه باسم « الرّحيم » . ولمّا كان الخطاب موجّها إلى هذه الفرق الثّلاث ابتدأ القرآن بهذه الأسماء الثّلاثة لمعرفتهم بها ، وما زاد عليها اسما آخر . وأمّا وجه تقديم لفظ ( اللّه ) على ( الرّحمن ) ، و ( الرّحمن ) على ( الرّحيم ) فلمجاراة طبيعة العباد وأحوالهم ؛ إذ لهم أحوال ثلاثة : الخلق ، والتّربية ، ثمّ المغفرة . فلفظ ( اللّه ) يشير إلى الخلق في بدء الأمر بالقدرة ، و ( الرّحمن ) يشير إلى التّربية ودوام النّعمة ، و ( الرّحيم ) يشير إلى المغفرة في الآخرة بالرّحمة ، فكأنّه تعالى يقول لعبده : خلقتك بالقدرة فأنا اللّه وربّيتك بالنّعم فأنا
هامش
( 1 ) ولكنّ الصّحيح : ( 2811 ) مرّة .