تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 784

مساهمون:

ص٧٨٤
ويمكن أن يكون اعتبار الاثنين نظرا إلى ما عليه دأبهم وسنّتهم ، فإنّهم يعتقدون من الإله بإله الصّنع والإيجاد ، وهو الّذي له الخلق فحسب ، وهو إله الآلهة وموجد الكلّ ، وبإله العبادة وهو الّذي له الرّبوبيّة والتّدبير ، وهذا المعنى أنسب بما يتلوه من الجمل . وعلى هذا فالمعنى لا تتّخذوا إلهين اثنين إله الخلق وإله التّدبير الّذي له العبادة ، إنّما هو ، أي الإله إله واحد له الخلق والتّدبير جميعا ، لأنّ كلّ تدبير ينتهي إلى الإيجاد ؛ وإذ كنت أنا الخالق الموجد فأنا المدبّر الّذي تجب عبادته ، فإيّاي فارهبون وإيّاي فاعبدون . ( 12 : 269 ) عبد الكريم الخطيب : هو توكيد للنّهي بترك المنهيّ عنه ، والإتيان بما يقابله ، وهو المأمور به . ويكون المعنى لا تتّخذوا إلهين اثنين ، واعبدوا إلها واحدا . وفي وصف « الإلهين » بأنّهما « اثنان » تجسيد لتلك الصّورة الّتي تجمع بين إلهين ، وتقابل بينهما مقابلة الشّيء للشّيء . وهذه صورة لا تتحقّق أبدا ؛ إذ ليس للّه سبحانه وتعالى نظير يناظره أو شبيه يقابله إذ هكذا يكون الإله الّذي يعبد . إلها متفرّدا بالكمال والجلال ، لا يشاركه أحد في كماله وجلاله ، وإلّا كان ناقصا ، لا يستحقّ أن يأخذ مكان التّفرّد . وعلى العقل أن يبحث عن الإله الّذي لا مثيل له ، ولا نظير ، وأنّ البحث سينتهي به إلى اللّه الواحد الأحد ، الفرد الصّمد
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ .
( 7 : 306 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ الملفت في هذه الآية هو النّهي عن اتّخاذ معبودين اثنين فقط ؛ إذ معلوم لدى الجميع أنّ المشركين كانوا يعبدون أصناما ومعبودات كثيرة جدّا ، وكانت معابدهم تحفل بأنواع مختلفة من الأصنام . ولعلّ هذا النّمط من التّعبير يرمز إلى أحد الأمور التّالية أو إلى كلّها : 1 - تعني الآية أنّ عبادة معبودين خطأ ، فكيف الأمر بعبادة آلهة متعدّدة . وبعبارة أخرى فإنّ الآية بيّنت أدنى العدد ، كي يصدق النّهي على ما زاد على ذلك بطريق أولى ، لأنّ من يريد أن ينتخب عددا يزيد على الواحد لا بدّ له أن يتجاوز العدد اثنين . 2 - إنّ الآلهة كلّها باطلة ، وهي بمجموعها تعدّ واحدة ، والآية تقول : لا تجعلوها نظير الحقّ ، ولا تعبدوا إلهين : حقّ ، وباطل . 3 - اتّخذ الجاهليّون في الحقيقة معبودين لهم ، أحدهما : خالق الكون ، أي اللّه الّذي كانوا يؤمنون به ، والآخر : الوسيط الّذي بينهم وبين اللّه ، وكانوا يعتبرونه منشأ الخير والبركة والنّعمة ، وهو الصّنم . 4 - لعلّ هذه الآية تنهى عن العبادة المزدوجة الّتي ينتهجها الثّنويّون ، وهم الّذين كانوا يقولون بوجود إلهين - إله الخير وإله الشّرّ - وبالرّغم من ضعف حجّة هؤلاء فإنّ الوثنيّين العرب ليس لهم حجّة كهذه أيضا . ( 11 : 259 ) فضل اللّه : يختلف أسلوب القرآن في معالجة مسألة الشّرك والتّوحيد ، فهو لا يتحدّث عنها هنا كمسألة خاضعة للأخذ والرّدّ ، بل كأمر إلهيّ ، يفرض الفكرة بوصفها خطّا عمليّا يمنع النّاس من تجاوزه ، لأنّه يمثّل الحقيقة . ولعلّ سرّ القوّة في ذلك ، هو أنّ المشركين