مقام المتبوع ، انتهى .
ولا يخفى أنّ صحة إقامته بهذا المعنى لا تقتضي أن يتمّ معنى الكلام بدونه حتّى يرد ما أورد .
وقيل : إنّ ذكر ( اثنين ) للدّلالة على منافاة الاثنينيّة للألوهيّة ، وذكر الوحدة للتّنبيه على أنّها من لوازم الألوهيّة .
وجعل ذلك بعضهم من روادف الدّلالة على كون ما ذكر مساق النّهي والإثبات ، وهو الظّاهر ، وإن قيل فيه ما قيل .
وزعم بعضهم : أنّ ( تتّخذوا ) متعدّ إلى مفعولين ، وأنّ ( اثنين ) مفعوله الأوّل ، و ( الهين ) مفعوله الثّاني ، والتّقدير : لا تتّخذوا اثنين إلهين . وقيل : الأوّل مفعول أوّل والثّاني ثان . وقيل : ( الهين ) مفعوله الأوّل ، و ( اثنين ) باق على الوصفيّة والتّوكيد ، والمفعول الثّاني محذوف ، أي معبودين ، ولا يخفى ما في ذلك .
وإثبات الوحدة له تعالى مع أنّ المسمّى المعيّن لا يتعدّد ، بمعنى أنّه لا مشارك له في صفاته وألوهيّته . فليس الحمل لغوا ، ولا حاجة لجعل الضّمير للمعبود بحقّ المفهوم من الجلالة ، على طريق الاستخدام كما قيل . ( 14 : 162 )
القاسميّ : قوله تعالى :
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
إعلام بنهيه الصّريح عن الإشراك ، وبأمره بعبادته وحده . وإنّما خصّص هذا العدد لأنّه الأقلّ ، فيعلم انتفاء ما فوقه بالدّلالة . [ ثمّ قال نحو الزّمخشريّ ]
( 10 : 3815 )
محمّد أبو موسى : وتقرير معنى الآية فمن وجهين :
أحدهما : أنّه تعالى في هذا المقام يتكلّم في التّوحيد والنّهي عن ضدّه ، فالمقصود الأهمّ نهيهم عن القول بتعدّد الآلهة ، فنهاهم عن التّثنية تنبيها بها على ما فوقها بطريق الأولى ، كما في الضّرب مع التّأفيف . واللّفظ الموضوع للعدد المثنّى إنّما هو « اثنان » فجاء في النّهي عن المطلوب تركه باللّفظ الموضوع له ، ليكون أبين وأدلّ وآكد .
فأمّا قوله : ( الهين ) فليس موضوعا لهذا العدد ، بل هو اسم ألحقت به علامة التّثنية كرجلين وقوسين ، فدلالته على العدد عرضيّة لا أصليّة ، ولهذا لا يدلّ على ما بعده من المعدودات على مقدار عدده إلّا بذكره ، كثلاثة رجال ، وأربعة أعبد ، ونحو ذلك . فلو قلت : رجال وأعبد ، لم يعلم هل هم ثلاثة أو أربعة أو أكثر .
الثّاني : كأنّه نبّه بهذا على أنّه لم ينههم عن اتّخاذ مطلق الآلهة ، وأنّه يأمرهم بتألّه نفسه ، وإنّما ينهاهم عن مطلق التّعدّد . ( الإكسير في علم التّفسير : 255 )
الطّباطبائيّ : وقوله :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
أريد به - واللّه أعلم - النّهي عن التّعدّي عن الإله الواحد باتّخاذ غيره معه ، فيشمل الاثنين وما فوقه من العدد ، ويؤيّده تأكيده بقوله :
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ .
و ( اثنين ) صفة ( الهين ) كما أنّ ( واحد ) صفة ( اله ) جيء بهما للإيضاح والتّبيين .
وبعبارة أخرى : العناية متعلّقة بالنّهي عن اتّخاذ غيره معه ، سواء كان واحدا أو أكثر من واحد . لكن لمّا كان كلّ عدد اختاروه في الإله فوق الاثنين يجب أن يسلكوا إليه من الاثنين ؛ إذ لا يتحقّق عدد هو فوق الاثنين إلّا بعد تحقّق الاثنين ، نهى عن اتّخاذ الاثنين واكتفى به عن النّهي عن كلّ عدد فوق الواحد .