وقد أورد السّكّاكيّ الآية في باب عطف البيان مصرّحا بأنّه من هذا القبيل فتوهّم منه بعضهم أنّه قائل بأنّ ذلك عطف بيان صناعيّ وهو الّذي اختاره العلّامة القطب في « شرح المفتاح » نافيا كونه وصفا . واستدلّ على ذلك بأنّ معنى قولهم : « الصّفة تابع يدلّ معنى في متبوعه » ، أنّه تابع ذكر ليدلّ على معنى في متبوعه - على ما نقل عن ابن الحاجب - ولم يذكر ( اثنين ) و ( واحد ) للدّلالة على الاثنينيّة والوحدة اللّتين في متبوعهما ، فيكونا وصفين ، بل ذكرا للدّلالة على أنّ القصد من متبوعهما إلى أحد جزئيه ، أعني الاثنينيّة والوحدة دون الجزء الآخر ، أعني الجنسيّة . فكلّ منهما تابع غير صفة يوضح متبوعه ، فيكون عطف بيان لا صفة .
وقال العلّامة الثّاني : ليس في كلام السّكّاكيّ ما يدلّ على أنّه عطف بيان صناعيّ ، لجواز أن يريد أنّه من قبيل الإيضاح والتّفسير وإن كان وصفا صناعيّا . ويكون إيراده في ذلك المبحث مثل إيراد كلّ رجل عارف ، وكلّ إنسان حيوان ، في بحث التّأكيد ، ومثل ذلك عادة له .
وتعقّب العلّامة الأوّل : بأنّه إن أريد أنّه لم يذكر إلّا ليدلّ على معنى في متبوعه فلا يصدق التّعريف على شيء من الصّفة ، لأنّها - ألبتّة - تكون لتخصيص أو تأكيد أو مدح أو نحو ذلك ، وإن أريد أنّه ذكر ليدلّ على هذا المعنى ويكون الغرض من دلالته عليه شيئا آخر كالتّخصيص والتّأكيد وغيرهما ، فيجوز أن يكون ذكر ( اثنين ) و ( واحد ) للدّلالة على الاثنينيّة والوحدة ، ويكون الغرض من هذا بيان المقصود وتفسيره ، كما أنّ الدّابر في « أمس الدّابر » ذكر ليدلّ على معنى الدّبور ، والغرض منه التّأكيد ، بل الأمر كذلك عند التّحقيق . ألا ترى أنّ السّكّاكيّ جعل من الوصف ما هو كاشف وموضح ولم يخرج بهذا عن الوصفيّة .
وأجيب بأنّا نختار الشّقّ الثّاني ، ونقول : مراد العلّامة من قوله : « ذكر ليدلّ على معنى في متبوعه » ، أن يكون المقصود من ذكره الدّلالة على حصول المعنى في المتبوع ، ليتوسّل بذلك إلى التّخصيص أو التّوضيح أو المدح أو الذّمّ إلى غير ذلك . وذكر ( اثنين ) و ( واحد ) ليس للدّلالة على حصول الاثنينيّة والوحدة في موصوفيهما بل تعيين المقصود من جزئيهما ، فلا يكونان صفة . وذكر الدّابر ليدلّ على حصول الدّبور في الأمس ، ثمّ يتوسّل بذلك إلى التّأكيد ، وكذا في الوصف الكاشف ، بخلاف ما نحن فيه ، فتدبّره فإنّه غامض .
ولم يجوّز العلّامة الأوّل البدليّة ، فقال : وأمّا أنّه ليس ببدل فظاهر ، لأنّه لا يقوم مقام المبدل منه .
ونظر فيه العلّامة الثّاني : بأنّا لا نسلّم أنّ البدل يجب صحّة قيامه مقام المبدل منه ، فقد جعل الزّمخشريّ ( الجنّ ) في قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ
الأنعام : 100 ، بدلا من ( شركاء ) ، ومعلوم أنّه لا معنى لقولنا : وجعلوا للّه الجنّ ، ثمّ قال : بل لا يبعد أن يقال :
الأولى أنّه بدل لأنّه المقصود بالنّسبة ؛ إذ النّهي عن اتّخاذ الاثنين من الإله ، على ما مرّ تقريره .
وتعقّب : بأنّ الرّضيّ قد ذكر أنّه لمّا لم يكن البدل معنى في المتبوع حتّى يحتاج إلى المتبوع كما احتاج الوصف ، ولم يفهم معناه من المتبوع كما فهم ذلك في التّأكيد ، جاز اعتباره مستقلّا لفظا ، أي صالحا لأن يقوم