تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 780

مساهمون:

ص٧٨٠
يكونا اثنين ، فما الفائدة في قوله : ( الهين اثنين ) ؟ وجوابه من وجوه : أحدها : قال صاحب « النّظم » : فيه تقديم وتأخير ، والتّقدير : لا تتّخذوا اثنين إلهين . وثانيها : وهو الأقرب عندي أنّ الشّيء إذا كان مستنكرا مستقبحا ، فمن أراد المبالغة في التّنفير عنه عبّر عنه بعبارات كثيرة ، ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف العقل ، على ما فيه من القبح . إذا عرفت هذا فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول ، ولهذا المعنى فإنّ أحدا من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال ، فقوله :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
المقصود من تكريره تأكيد التّنفير عنه ، وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح . وثالثها : أنّ قوله : ( الهين ) لفظ واحد يدلّ على أمرين : ثبوت الإله ، وثبوت التّعدّد ، فإذا قيل :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ
لم يعرف من هذا اللّفظ أنّ النّهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التّعدّد ، أو عن مجموعهما . فلمّا قال :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
ثبت أنّ قوله :
( لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ )
نهي عن إثبات التّعدّد فقط . ورابعها : أنّ الاثنينيّة منافية للإلهيّة ، وتقريره من وجوه : الأوّل : أنّا لو فرضنا موجودين يكون كلّ واحد منهما واجبا لذاته ، لكانا مشتركين في الوجوب الذّاتيّ ومتباينين بالتّعيّن ، وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فكلّ واحد منهما مركّب من جزأين وكلّ مركّب فهو ممكن ؛ فثبت أنّ القول : بأنّ واجب الوجود أكثر من واحد ، ينفي القول بكونهما واجبي الوجود . الثّاني : أنّا لو فرضنا إلهين ، وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه ، امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثّاني ، لأنّ الحركة الواحدة والسّكون الواحد لا يقبل القسمة أصلا ولا التّفاوت أصلا . وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثّاني ، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتّأثير من الثّانية ، وإذا ثبت هذا فإمّا أن يحصل مراد كلّ واحد منهما وهو محال ، أولا يحصل مراد كلّ واحد منهما ألبتّة . فحينئذ يكون كلّ واحد منهما عاجزا والعاجز لا يكون إلها ؛ فثبت أنّ كونهما اثنين ينفي كون كلّ واحد منهما إلها . الثّالث : أنّا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إمّا أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر فذاك إله والآخر ضعيف ، وإن لم يقدر فهو ضعيف . والرّابع : وهو أنّ أحدهما إمّا أن يقوي على مخالفة الآخر ، أو لا يقوي عليه ، فإن لم يقو عليه فهو ضعيف ، وإن قوي عليه ، فذاك الآخر إن لم يقو على الدّفع فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فالأوّل المغلوب ضعيف ؛ فثبت أنّ الاثنينيّة والإلهيّة متضادّتان . فقوله :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
المقصود منه التّنبيه على حصول المنافاة والمضادّة بين الإلهيّة وبين الاثنينيّة ، واللّه أعلم . واعلم أنّه تعالى لمّا ذكر هذا الكلام قال :
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
والمعنى : أنّه لمّا دلّت الدّلائل السّابقة على أنّه لا بدّ للعالم من الإله ، وثبت أنّ القول بوجود الإلهين محال ،