تعالى - فإمّا أن يقال : إنّ من أشرك مع اللّه سبحانه غيره فقد نفاه معنى ، لأنّه جلّ شأنه وحده لا شريك له ، ويكون إقراره باللّه تعالى كلا إقرار ، وحينئذ يكون ( من دون اللّه ) مجازا عن « مع اللّه » تعالى ، أو يقال : إنّ المراد ب ( من دون اللّه ) التّوسّط بينهما وبينه عزّ شأنه ، فيكون « الدّون » إشارة لقصور مرتبتهما عن مرتبته جلّ جلاله ، لأنّهم قالوا : هو عزّ اسمه كالشّمس وهما كشعاعها .
وزعم بعضهم : أنّ المراد اتّخاذهما بطريق الاستقلال .
ووجهه أنّ النّصارى يعتقدون أنّ المعجزات الّتي ظهرت على يدي عيسى وأمّه عليهما الصّلاة والسّلام لم يخلقها اللّه تعالى بل هما خلقاها ، فصحّ أنّهم اتّخذوهما في حقّ بعض الأشياء إلهين مستقلّين ولم يتّخذوه إلها في حقّ ذلك البعض .
ولا يخفى أنّ الأوّل كالمتعيّن ، وإليه أشار العلّامة ، ونصّ على اختياره شيخ الإسلام . [ ثمّ أدام الكلام نحو الطّوسيّ ورجّح الوجه الثّالث ، فقال : ]
وهو أولى الأوجه عندي وما قرّره الزّاعم من أنّ النّصارى يعتقدون . . . إلخ غير مسلّم في نصارى زماننا ، ولم ينقله أحد ممّن يوثق به عنهم أصلا . ( 7 : 65 )
وهناك أبحاث لرشيد رضا ( 7 : 261 ) ، والطّباطبائيّ ( 6 : 241 ) ، وغيرهما ، راجع « دون »
2 -
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
النّحل : 51
الزّجّاج : فذكر ( اثنين ) توكيدا لقوله : ( الهين ) كما ذكر الواحد في قوله :
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ .
( 3 : 204 )
الطّوسيّ : أي لا تعبدوا مع اللّه غيره ، فتشركوا بينهما في العبادة . [ إلى أن قال : ]
وفي قوله : ( اثنين ) بعد قوله : ( الهين ) قولان :
أحدهما : أنّه قال : ذلك تأكيدا ، كما قال : ( اله واحد ) تأكيدا .
والثّاني : أن يكون المعنى لا تتّخذوا اثنين إلهين ، فقدّم وأخّر ، وكلاهما جائزان . ( 6 : 389 )
الطّبرسيّ : [ نحو الطّوسيّ وأضاف : ]
وورد عن بعض الحكماء أنّه قال : نهاك ربّك أن تتّخذ إلهين فاتّخذت آلهة ، عبدت نفسك وهواك ودنياك وطبعك ومرادك وعبدت الخلق ، فأنّى تكون موحّدا ؟ .
( 3 : 365 )
الزّمخشريّ : فإن قلت : إنّما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين ، فقالوا : عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة ، لأنّ المعدود عار عن الدّلالة على العدد الخاصّ وأمّا رجل ورجلان وفرس وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد ، فلا حاجة إلى أن يقال :
رجل واحد ورجلان اثنان ، فما وجه قوله : ( الهين اثنين ) ؟
قلت : الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتّثنية دالّ على شيئين : على الجنسيّة ، والعدد المخصوص ؛ فإذا أريدت الدّلالة على أنّ المعنيّ به منهما والّذي يساق إليه الحديث هو العدد ، شفّع بما يؤكّده ، فدلّ به على القصد إليه والعناية به . ألا ترى أنّك لو قلت : إنّما هو إله ، ولم تؤكّده بواحد لم يحسن ، وخيّل أنّك تثبت الإلهيّة لا الوحدانيّة .
( 2 : 413 )
الفخر الرّازيّ : لقائل أن يقول : إنّ الإلهين لا بدّ وأن