السّيوطيّ : والأصل « هويه الهه » لأنّ من اتّخذ إلهه هواه غير مذموم ، فقدّم المفعول الثّاني للعناية به .
( 3 : 39 )
أبو السّعود : تعجيب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من شناعة حالهم بعد حكاية قبائحهم من الأقوال والأفعال ، وبيان مالهم من المصير والمآل ، وتنبيه على أنّ ذلك من الغرابة بحيث يجب أن يرى ويتعجّب منه .
و ( الهه ) مفعول ثان ل ( اتّخذ ) قدّم على الأوّل للاعتناء به ، لأنّه الّذي يدور عليه أمر التّعجيب . ومن توهّم أنّهما على التّرتيب بناء على تساويهما في التّعريف فقد زلّ عنه أنّ المفعول الثّاني في هذا الباب هو الملتبس بالحالة الحادثة . ( 4 : 92 )
الآلوسيّ : وقال ابن المنير في تقديم المفعول الثّاني :
هنا نكتة حسنة وهي إفادة الحصر ، فإنّ الكلام قبل دخول ( أرأيت ، واتّخذ ) الأصل فيه « هويه الهه » على أنّ ( هويه ) مبتدأ خبره ( الهه ) .
فإذا قيل : ( الهه هويه ) كان من تقديم الخبر على المبتدأ وهو يفيد الحصر ، فيكون معنى الآية حينئذ أرأيت من لم يتّخذ معبوده إلّا هواه ، وذلك أبلغ في ذمّه وتوبيخه .
وقال صاحب « الفرائد » : تقديم المفعول الثّاني يمكن حيث يمكن تقديم الخبر على المبتدأ ، والمعرفتان إذا وقعتا مبتدأ وخبرا فالمقدّم هو المبتدأ . فمن جعل ما هنا نظير قولك : علمت منطلقا زيدا ، فقد غفل عن هذا .
ويمكن أن يقال : المتقدّم هاهنا يشعر بالثّبات بخلاف المتأخّر ، فتقدّم ( الهه ) يشعر بأنّه لا بدّ من إله ، فهو كقولك : اتّخذ ابنه غلامه ، فإنّه يشعر بأنّ له ابنا ، ولا يشعر بأنّ له غلاما . فهذا فائدة تقديم ( الهه ) على ( هويه ) .
وتعقّب ذلك الطّيّبيّ فقال : لا يشكّ في أنّ مرتبة المبتدأ التّقديم ، وأنّ المعرفتين أيّهما قدّم كان المبتدأ . لكن صاحب « المعاني » لا يقطع نظره عن أصل المعنى ، فإذا قيل : زيد الأسد ، فالأسد هو المشبّه به إصالة ، ومرتبته التّأخير عن المشبّه بلا نزاع ، فإذا جعلته مبتدأ في قولك :
الأسد زيد ، فقد أزلته عن مقرّه الأصليّ للمبالغة . وما نعني بالمقدّم إلّا المزال عن مكانه لا القارّفيه ، فالمشبّه به هاهنا « الإله » والمشبّه « الهوى » لأنّهم نزّلوا أهواءهم في المتابعة منزلة الإله ، فقدّم المشبّه به الأصليّ وأوقع مشبّها ، ليؤذن بأنّ « الهوى » في باب استحقاق العبادة عندهم أقوى من « الإله » عزّ وجلّ ، كقوله تعالى :
قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
البقرة : 275 ، ولمح صاحب « المفتاح » إلى هذا المعنى في كتابه .
وأمّا المثال الّذي أورده صاحب « الفرائد » ، فمعنى قوله : اتّخذ ابنه غلامه ، جعل ابنه كالغلام يخدمه في مهنة أهله ، وقوله : اتّخذ غلامه ابنه ، جعل غلامه كابنه مكرّما مدلّلا . . . وأنت تعلم ما في قوله : إنّ المعرفتين أيّهما قدّم كان المبتدأ ، فإنّ الحقّ أنّ الأمر دائر مع القرينة ، والقرينة هنا قائمة على أنّ ( الهه ) الخبر وهي عقليّة ، لأنّ المعنى على ذلك فلا حاجة إلى جعل ذلك من التّقديم المعنويّ . [ ثمّ ذكر قول أبي السّعود وقال : ]
وفي ذلك ردّ على أبي حيّان ؛ حيث أوجب كونهما على التّرتيب . [ إلى أن قال : ] فالآية شاملة لمن عبد غير اللّه تعالى حسب هواه ، ولمن أطاع الهوى في سائر المعاصي . ( 19 : 23 )