إله فلهذا ختم به . وأيضا أوّل ما يعرف العبد من ربّه كونه معطيا لما عنده من النّعم الظّاهرة والباطنة ، وهذا هو الرّبّ ، ثمّ لا يزال ينتقل من معرفة هذه الصّفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق ، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكا ، لأنّ الملك هو الّذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنيّا عن غيره ، ثمّ إذا عرفه العبد كذلك عرف أنّه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين ، وأنّه هو الّذي ولهت العقول في عزّته وعظمته فحينئذ يعرفه إلها .
( 32 : 197 )
نحوه البيضاويّ ( 2 : 584 ) ، والنّيسابوريّ ( 30 :
231 ) .
الشرّبينيّ : قوله تعالى :
( إِلهِ النَّاسِ )
إشارة إلى أنّه تعالى كما انفرد بربوبيّتهم وملكهم لم يشركه في ذلك أحد فكذلك هو وحده إلههم لا يشركه في ألوهيّته أحد . وقد اشتملت هذه الإضافات الثّلاث على جميع قواعد الإيمان ، وتضمّنت معاني أسمائه الحسنى ، فإنّ الرّبّ هو القادر الخالق إلى غير ذلك ممّا يتوقّف الإصلاح والرّحمة والقدرة الّذي هو بمعنى الرّبوبيّة عليه من أوصاف الجمال ، والملك هو الآمر النّاهي المعزّ المذلّ ، إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال . وأمّا « الإله » فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال ، فيدخل فيه جميع الأسماء الحسنى ، ولتضمّنها لجميع معاني الأسماء الحسنى كان المستعيذ جديرا بأن يعاذ . وقد وقع ترتيبها على الوجه الأكمل الدّالّ على الوحدانيّة ، لأنّ من رأى ما عليه من النّعم الظّاهرة والباطنة علم أنّ له مربّيا ، فإذا درج في العروج في درج معارفه سبحانه علم أنّه غنيّ عن الكلّ ، والكلّ إليه محتاج ، وعن أمره تعالى تجري أمورهم ، فيعلم أنّه ملكهم . ثمّ يعلم بانفراده بتدبيرهم بعد إبداعهم ، أنّه المستحقّ للإلهيّة بلا مشارك له فيها . [ إلى أن قال : ]
يجوز في
( مَلِكِ النَّاسِ )
و
( إِلهِ النَّاسِ )
أن يكونا وصفين ل ( ربّ النّاس ) وأن يكونا بدلين وأن يكونا عطف بيان ، واقتصر عليه الزّمخشريّ . ( 4 : 615 )
أبو حيّان : الظّاهر أنّ
مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ
صفتان . [ ثمّ نقل قول الزّمخشريّ وأضاف : ]
وعطف البيان ، المشهور أنّه يكون بالجوامد ، وظاهر قوله أنّهما عطفا بيان لواحد ، ولا أنقل عن النّحاة شيئا في عطف البيان ، هل يجوز أن يتكرّر لمعطوف عليه واحد أم لا يجوز . ( 8 : 532 )
البروسويّ : ( اله النّاس ) هو لبيان أنّ ملكه تعالى ليس بمجرّد الاستيلاء عليهم والقيام بتدبير أمور سياستهم والتّوليّ لترتيب مبادئ حفظهم وحمايتهم ، كما هو قصارى أمر الملوك ، بل هو بطريق المعبوديّة المؤسّسة على الألوهيّة ، المقتضية للقدرة التّامّة على التّصرّف الكلّيّ فيهم ، إحياء وإماتة وإيجادا وإعداما ، وأيضا أنّ
( مَلِكِ النَّاسِ )
إشارة إلى حال الفناء في اللّه ، كما أشرنا إليه ، و
( إِلهِ النَّاسِ )
لبيان حال البقاء باللّه ، لأنّ « الإله » هو المعبود المطلق ، وذلك هو الذّات مع جميع الصّفات . فلمّا فنى العبد في اللّه ظهر كونه ملكا ، ثمّ ردّه اللّه إلى الوجود لمقام العبوديّة ، فثمّ استعاذته من شرّ الوسواس ، لأنّ الوسوسة تقتضي محلّا وجوديّا ، ولا وجود في حال الفناء ولا صدر ولا وسوسة ولا موسوس ، بل إن ظهر هناك