لجميع مراتب التّوحيد ، ودالّة عليها إمّا منطوقا أو بالاستلزام ، ومراتبه أربع : الأولى : توحيد الألوهيّة .
الثّانية : توحيد الأفعال . الثّالثة : توحيد الصّفات ، وإن شئت قلت : توحيد الوجوب الذّاتيّ ، فإنّه يستلزم سائر الصّفات الكماليّة ، كما فرّعها عليه بعض المحقّقين . الرّابعة :
توحيد الذّات ، وإن شئت قلت : توحيد الوجود الحقيقيّ ، فإنّ المآل واحد عندهم .
وبيان ذلك أنّ ( لا إله إلّا اللّه ) منطوقه - على ما يتبادر إلى الأذهان ، وذهب إليه المعظم - قصر الألوهيّة على اللّه تعالى قصرا حقيقيّا ، أي إثباتها له تعالى بالضّرورة ونفيها عن كلّ ما سواه سبحانه كذلك ، وهو يستلزم توحيد الأفعال ، وتوحيد الصّفات ، وتوحيد الذّات .
أمّا الأوّل الّذي هو قصر الخالقيّة فيه تعالى ، فلأنّ مقتضى قصر الألوهيّة عليه تعالى قصرا حقيقيّا هو أنّ اللّه عزّ وجلّ هو الّذي يستحقّ أن يعبده كلّ مخلوق ، فهو النّافع الضّارّ على الإطلاق ، فهو سبحانه وتعالى الخالق لكلّ شيء . فإنّ كلّ من لا يكون خالقا لكلّ شيء لا يكون نافعا ضارّا على الإطلاق ، وكلّ من لا يكون كذلك لا يستحقّ أن يعبده كلّ مخلوق ، لأنّ العبادة هي الطّاعة والانقياد والخضوع . ومن لا يملك نفعا ولا ضرّا بالنّسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحقّ أن يعبده ذلك البعض ويطيعه وينقاد له ، فإنّ من لا يقدر على إيصال نفع إلى شخص أو دفع ضرّ عنه لا يرجوه ، ومن لا يقدر على إيصال ضرّ إليه لا يخافه . وكلّ من لا يخاف ولا يرجى أصلا لا يستحقّ أن يعبد ؛ وهو ظاهر . لكنّ الّذي يقتضيه قصر الألوهيّة عليه تعالى قصرا حقيقيّا هو أنّ اللّه تعالى هو الّذي يستحقّ أن يعبده كلّ مخلوق ، فهو النّافع الضّارّ على الإطلاق ، فهو الخالق لكلّ شيء وهو المطلوب .
وأمّا الثّاني فلأنّ الكلمة الطّيّبة تدلّ على أنّ الألوهيّة ثابتة له تعالى ثبوتا مستمرّا ممتنع الانفكاك ومنتفية عن غيره انتفاء كذلك ، وكلّ ما كان كذلك فهي دالّة على أنّه عزّ وجلّ واجب الوجود ، وأنّ كلّ موجود سواه تعالى ممكن الوجود ؛ وكلّ ما كان كذلك كان وجوب الوجود مقصورا عليه تعالى ، وهو مستلزم لسائر صفات الكمال وهو المطلوب .
أمّا دلالتها على أنّه عزّ وجلّ واجب الوجود ، فلأنّ الألوهيّة لا تكون إلّا لموجود حقيقة اتّفاقا ، وكلّ ما لا يكون صفة إلّا لموجود إذا دلّ كلام على أنّه ثابت لشيء ثبوتا ممتنع الانفكاك سرمدا ، فقد دلّ على أنّ الوجود ثابت لذلك الشّيء ثبوتا ممتنع الانفكاك سرمدا ، ولا يكون كذلك إلّا إذا كان موجودا لذاته وهو المعنيّ بواجب الوجود لذاته ؛ وحيث دلّت على ثبوت الألوهيّة ثبوتا مستمرّا ممتنع الانفكاك فقد دلّت على وجوب وجوده تعالى ، وهو مستلزم لسائر صفات الكمال وهو المطلوب .
وأمّا دلالتها على أنّ كلّ موجود سواه فهو ممكن الوجود ، فلأنّ موجودا ما سواه لو كان واجب الوجود لذاته لكان مستحقّا أن يعبد ، لكنّها قد دلّت على أنّه لا يستحقّ أن يعبد إلّا اللّه فقد دلّت على أنّه لا واجب وجوده لذاته إلّا اللّه تعالى ، فكلّ ما سواه فهو ممكن وهو المطلوب ، أو يقال : إنّها قد دلّت على أنّه تعالى هو النّافع
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 764
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧٦٤