أنكره ولا محذور في ذلك . ولمّا كان الكفرة الّذين يعتقدون أنّ آلهة غير اللّه تعالى تستحقّ العبادة هم المشهورون دون من يعتقد إمكان وجودها بعد ، اعتبرت الكلمة علما للتّوحيد بالنّسبة إليهم .
ويعلم من هذا أنّه لو قدّر الخبر المحذوف من أوّل الأمر « موجود » أمكن دفع الإشكال بهذا الطّريق ، أعني متفاهم اللّغة وعرف النّاس من الأوساط ، وأمّا أنّ نفي الوجود لا يستلزم نفي الإمكان فلا يلزم من الكلمة الطّيّبة حينئذ نفي إمكان آلهة غير اللّه تعالى فممّا لا يسبق إلى الأفهام ، ولا يكاد يوجد كافر يعتقد نفي وجود إله غيره تعالى ، مع اعتقاده إمكان وجود إله غيره سبحانه بعد ذلك .
ومن النّاس من أيّد تقدير الخبر كذلك بأنّ الظّاهر أنّ ( لا ) نافية للجنس ونفي الماهيّة نفسها بدون اعتبار الوجود واتّصافها به كنفي السّواد نفسه لا نفي وجوده عنه بعيد ، فكما أنّ جعل الشّيء باعتبار الوجود ؛ إذ لا معنى لجعل الشّيء وتصييره نفسه ، فكذلك نفيه ورفعه أيضا باعتبار رفع الوجود عنه . وتعقّب بأنّ هذا هو الّذي يقتضيه النّظر الجليل ، وأمّا النّظر الدّقيق فقد يحكم بخلافه ، لأنّ نفي الماهيّة باعتبار الوجود ينتهي بالآخرة إلى نفي ماهيّة ما باعتبار نفسها ؛ وذلك لأنّ نفي اتّصافها بالوجود لا يكون باعتبار اتّصاف ذلك الاتّصاف به إلى ما لا يتناهى ، فلابدّ من الانتهاء إلى اتّصاف منتف بنفسه لا باعتبار اتّصافه بالوجود دفعا للتّسلسل .
وقيل : الظّاهر أنّ نفي الأعيان كما في الكلمة الطّيّبة إنّما هو باعتبار ذلك ، وأمّا غيرها فتارة وتارة فتدبّر ، و ( الّا ) على التّقدير المذكور للاستثناء ورفع الاسم الجليل على ما سمعت من المشهور . وقيل : هي فيه بمعنى « غير » صفة الاسم لا باعتبار المحلّ ، أي لا إله غير اللّه تعالى موجود .
واعترض بأنّ المقصود من الكلام أمران : نفي الألوهيّة عن غيره تعالى وإثباتها له سبحانه ، وهو إنّما يتمّ إذا كانت ( لا ) فيه للاستثناء ؛ إذ يستفاد النّفي والإثبات حينئذ بالمنطوق ، أمّا إن كانت بمعنى « غير » فلا يفيد بمنطوقه إلّا نفي الألوهيّة عن غيره تعالى سبحانه ، وفي كون إثباتها له تعالى بالمفهوم ويكتفي به بحث ، لأنّ ذلك إن كان مفهوم لقب فلا عبرة عند القائلين بالمفهوم على الصّحيح خلافا للدّقّاق ، والصّيرفيّ من الشّافعيّة ، وابن خويز منداد من المالكيّة ، ومنصور بن أحمد من الحنابلة ، وإن كان مفهوم صفة فمن البيّن أنّه غير مجمع عليه بل أبو حنيفة - رضي اللّه تعالى عنه - لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة أصلا .
وأنت تعلم أنّ ما ذكره من إفادة الكلمة الطّيّبة إثبات الإلهيّة للّه تعالى ونفيها عمّا سواه عزّ وجلّ ، على تقدير كون ( الّا ) للاستثناء غير مجمع عليه أيضا . فإنّ الاستثناء من النّفي ليس بإثبات عند أبي حنيفة - رضي اللّه تعالى عنه - وجعل الإثبات في كلمة التّوحيد بعرف الشّرع ، وفي المفرّغ نحو : ما قام إلّا زيد بالعرف العامّ ، وماله وما عليه في كتب الأصول فلا تغفل ، وتمام الكلام فيما يتعلّق بإعراب هذه الكلمة الطّيّبة في كتب العربيّة . وقد ذكرنا ذلك في تعليقاتنا على شرح السّيوطيّ للألفيّة .
وهي عند السّادة الصّوفيّة قدّست أسرارهم جامعة
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 763
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧٦٣