قرينة ولا قرينة ، فلا يصحّ الحذف .
وأجيب بأنّها كنار على علم ، لأنّ « الإله » بمعنى المعبود ، فدلّ على العبادة واستحقاقها ، ويؤيّده ملاحظة المقام واعتبار حال المخاطبين ، لأنّ هذه الكلمة الطّيّبة واردة لردّ اعتقاد المشركين الزّاعمين أنّ الأصنام تستحقّ العبادة .
واعترض أيضا بأنّه لا يدلّ على نفي التّعدّد مطلقا ، أي لا بالإمكان ولا بالفعل ، لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحقّ العبادة ، وأيضا يمكن أن يقال : المراد إمّا نفي إله مستحقّ للعبادة غيره تعالى بالفعل أو بالإمكان ، فعلى الأوّل لا ينفي إمكان إله مستحقّ للعبادة أيضا غيره عزّ وجلّ ، وعلى الثّاني لا يدلّ على استحقاقه تعالى للعبادة بالفعل .
وردّ بأنّ وجوب الوجود مبدأ جميع الكمالات ولذا فرّعوا عليه كثيرا منها ، فلا ريب أنّه يوجب استحقاق التّعظيم والتّبجيل ، ولا معنى لاستحقاق العبادة إلّا ذلك ، فإذا لم يستحقّ غيره تعالى العبادة لم يوجد واجب وجود غيره سبحانه وإلّا لاستحقّ العبادة قطعا ، وإذا لم يوجد لم يكن ممكنا أيضا ، فثبت أنّ نفي استحقاق العبادة يستلزم نفي التّعدّد جزما .
وتعقّب بأنّ فيه البناء على أنّ « الإله » لا يكون إلّا واجب الوجود ، وقد سمعت أنّها وإن كانت قطعيّة الصّدق في نفس الأمر إلّا أنّها غير مسلّمة عند المشركين .
ومن المحقّقين من قال : إنّه لا يلتفت إلى عدم تسليمهم لمكابرتهم ما عسى أن يكون بديهيّا . نعم ربّما يقال : إنّ الكلمة الطّيّبة على ذلك التّقدير إنّما تدلّ على نفي المعبود بالفعل ، بناء على ما قرّر في المنطق ، أنّ ذات الموضوع يجب اتّصافه بالعنوان بالفعل .
ويجاب بمنع وجوب ذلك بل يكفي الاتّصاف بالإمكان كما صرّح به الفارابيّ ، وأمّا ما نقل عن الشّيخ فمعناه كونه بالفعل بحسب الفرض العقليّ لا بحسب نفس الأمر ، كما تدلّ عليه عبارته في الشّفاء والإشارات ، فيرجع إلى معنى الإمكان .
والفرق بين المذهبين : أنّ في مذهب الشّيخ زيادة اعتبار ليست في مذهب الشّيخ الفارابيّ ، وهي أنّ الشّيخ اعتبر مع الإمكان بحسب نفس الأمر فرض الاتّصاف بالفعل ولم يعتبره الفارابيّ . وبالجملة إنّ الاتّصاف بالفعل غير لازم فكلّ ما يمكن اتّصافه بالمعبوديّة داخل في الحكم بأنّه لا يستحقّ العبادة ، ولمّا كانت القضيّة سالبة صدقت وإن لم يوجد الموضوع .
ولعلّ التّحقيق في هذا المقام أنّ الكلمة الطّيّبة جارية بين النّاس على متفاهم اللّغة والعرف لا على الاصطلاحات المنطقيّة والتّدقيقات الفلسفيّة ، وهي كلام ورد في ردّ اعتقاد المشرك الّذي اعتقد أنّ آلهة غير اللّه سبحانه تستحقّ العبادة ، فإذا اعترف المشرك بمضمونه من أنّه لا معبود مستحقّ للعبادة إلّا اللّه تعالى علم من ظاهر حاله الإيمان ، ولهذا اكتفى به الشّارع عليه الصّلاة والسّلام . وأمّا الكافر الّذي يعتقد إمكان وجود ذات تستحقّ العبادة بعد فلا تكفي هذه الكلمة الطّيّبة في إيمانه ، كما لا تكفي في إيمان من أنكر النّبوّة أو المعاد أو نحو ذلك ، ممّا يجب الإيمان به ، بل لا بدّ من الاعتراف بالحكم الّذي
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 762
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧٦٢