تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
كيف تكفرون بقدرة اللّه على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ، ولأنّه خلق لكم ما في الأرض جميعا فكيف يعجز عن إعادتكم . ثمّ إنّه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سور مختلفة ، كما قال :
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
عبس : 25 ، وقال في أوّل سورة أتى أمر اللّه :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ
النّحل : 5 ، إلى آخره . وهاهنا مسائل [ إلى أن قال : ] المسألة الثّانية : احتجّ أهل الإباحة بقوله تعالى :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
البقرة : 29 ، على أنّه تعالى خلق الكلّ للكلّ فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا . وهو ضعيف ، لأنّه تعالى قابل الكلّ بالكلّ ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، والتّعيين يستفاد من دليل منفصل ، والفقهاء رحمهم اللّه استدلّوا به على أنّ الأصل في المنافع الإباحة . وقد بيّنّاه في أصول الفقه . المسألة الثّالثة : قيل : إنّها تدلّ على حرمة أكل الطّين ، لأنّه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض ، ولقائل أن يقول : في جملة الأرض ما يطلق عليه أنّه في الأرض ، فيكون جمعا للموضعين ، ولا شكّ أنّ المعادن داخلة في ذلك ، وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ، ولأنّ تخصيص الشّيء بالذّكر لا يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه . [ إلى أن قال : ] قال بعض الملحدة : هذه الآية تدلّ على أنّ خلق الأرض قبل خلق السّماء ، وكذا قوله :
أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
فصّلت : 9 ، إلى قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
فصّلت : 11 ، وقال في سورة النّازعات :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها * وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
27 - 30 ، وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السّماء . وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها : أحدها : يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السّماء إلّا أنّه مادحاها حتّى خلق السّماء ، لأنّ التّدحية هي البسط . ولقائل أن يقول : هذا أمر مشكل من وجهين : الأوّل : أنّ الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التّدحية ، وإذا كانت التّدحية متأخّرة عن خلق السّماء كان خلقها أيضا - لا محالة - متأخّرا عن خلق السّماء . الثّاني : أنّ قوله تعالى :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
البقرة : 29 ، يدلّ على أنّ خلق الأرض وخلق كلّ ما فيها متقدّم على خلق السّماء ، لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلّا إذا كانت مدحوّة ، فهذه الآية تقتضي تقدّم كونها مدحوّة قبل خلق السّماء ، وحينئذ يتحقّق التّناقض . والجواب : أنّ قوله تعالى :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
النّازعات : 30 ، يقتضي تقديم خلق السّماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السّماء مقدّمة على خلق الأرض ، وعلى هذا التّقدير يزول التّناقض . ولقائل أن يقول : قوله تعالى :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها
النّازعات : 27 ، 28 ، يقتضي أن يكون خلق السّماء وتسويتها مقدّم على
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 76 | مجمع البحوث الاسلامية