قال بعض أصحاب الإشارات : لمّا امتنّ تعالى عليهم بأنّه خلقهم والّذين من قبلهم ، ضرب لهم مثلا يرشدهم إلى معرفة كيفيّة خلقهم ، وأنّهم وإن كانوا متوالدين بين ذكر وأنثى مخلوقين من نطفة إذا تمنى ، هو تعالى خالقهم على الحقيقة ومصوّرهم في الأرحام كيف يشاء ، ومخرجهم طفلا ومربّيهم بما يصلحهم من غذاء وشراب ولباس ، إلى غير ذلك من المنافع الّتي تدعو حاجتهم إليهم .
فجعل الأرض الّتي هي فراش مثل الأمّ الّتي يفترشها الزّوج ، وهي أيضا تسمّى فراشا ، وشبّه السّماء الّتي علت على الأرض بالأب الّذي يعلو على الأمّ ويغشاها ، وضرب الماء النّازل من السّماء مثلا للنّطفة الّتي تنزل من صلب الأب ، وضرب ما يخرج من الأرض من الثّمرات بالولد الّذي يخرج من بطن الأمّ ؛ يؤنس تعالى بذلك عقولهم ويرشدها إلى معرفة كيفيّة التّخليق ، ويعرّفها أنّه الخالق لهذا الولد ، والمخرج له من بطن أمّه ، كما أنّه الخالق للثّمرات ومخرجها من بطون أشجارها ومخرج أشجارها من بطن الأرض ، فإذا أوضح ذلك لهم أفردوه بالإلهيّة وخصّوه بالعبادة ، وحصلت لهم الهداية .
( 1 : 101 )
البروسويّ : قال أهل اللّغة : الأرض بساط العالم وبسيطها ؛ من حيث يحيط بها البحر الّذي هو البحر المحيط أربعة وعشرون ألف فرسخ ، كلّ فرسخ ثلاثة أميال وهو اثنا عشر ألف ذراع بالذّراع المرسلة ، وكلّ ذراع ستّ وثلاثون إصبعا ، كلّ إصبع ستّ حبّات شعير مصفوفة بطون بعضها إلى بعض . فللسّودان اثنا عشر ألف فرسخ ، وللبيضان ثمانية ، وللفرس ثلاثة ، وللعرب ألف ، كذا في كتاب الملكوت . وسمت وسط الأرض المسكونة حضرة الكعبة ، وأمّا وسط الأرض كلّها - عامرها وخرابها - فهو الموضوع الّذي يسمّى قبّة الأرض ، وهو مكان يعتدل فيه الأزمان في الحرّ والبرد ، ويستوي اللّيل والنّهار أبدا لا يزيد أحدهما على الآخر ، كما في الملكوت .
وروي عن عليّ كرّم اللّه وجهه أنّه قال : إنّما سمّيت الأرض أرضا لأنّها تتأرّض ما في بطنها يعني تأكل ما فيها .
وقال بعضهم : لأنّها تتأرّض بالحوافر والأقدام .
( 1 : 75 )
الآلوسيّ : قدّم سبحانه حال الأرض لما أنّ احتياجهم إليها وانتفاعهم بها أكثر وأظهر ، أو لأنّه تعالى لمّا ذكر خلقهم ناسب أن يعقّبه بذكر أوّل ما يحتاجونه بعده وهو المستقرّ ، أو ليحصل العروج من الأدنى إلى الأعلى ، أو لأنّ خلق الأرض متقدّم على خلق السّماء ، كما يدلّ عليه ظواهر كثير من الآيات ، أو لأنّ الأرض لكونها مسكن النّبيّين ومنها خلقوا أفضل من السّماء .
( 1 : 188 )
2 -
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً . . .
البقرة : 29
الطّبريّ : أخبرهم جلّ ذكره أنّه خلق لهم ما في الأرض جميعا ، لأنّ الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع ، أمّا في الدّين فدليل على وحدانيّة ربّهم ، وأمّا في الدّنيا فمعاش وبلاغ لهم إلى طاعته ، وأداء فرائضه ؛