فلذلك قال جلّ ذكره :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً .
( 1 : 190 )
مثله الطّوسيّ ( 1 : 124 ) ، والطّبرسيّ ( 1 : 71 ) .
الزّمخشريّ : لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم ، أمّا الانتفاع الدنّيويّ فظاهر ، وأمّا الانتفاع الدّينيّ فالنّظر فيه وما فيه من عجائب الصّنع الدّالّة على الصّانع القادر الحكيم ، وما فيه من التّذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها ، لاشتماله على أسباب الأنس واللّذّة ، من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهيّة ، وعلى أسباب الوحشة والمشقّة من أنواع المكاره كالنّيران والصّواعق والسّباع والأحناش والسّموم والغموم والمخاوف .
وقد استدلّ بقوله :
خَلَقَ لَكُمْ
على أنّ الأشياء الّتي يصحّ أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا ، لكلّ أحد أن يتناولها ويستنفع بها .
فإن قلت : هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحّة ؟
قلت : إن أراد بالأرض الجهات السّفليّة دون الغبراء - كما تذكر السّماء وتراد الجهات العلويّة - جاز ذلك ، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السّفليّة . ( 1 : 270 )
الميبديّ :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
أي خلق كلّ ما في الأرض من جبال وبحار ، مع ما فيها من جواهر ومعادن وعيون وأنهار ونبات وحيوان وطير ، وخلق الحرّ والبرد والنّور والظّلمة والسّكون والحركة .
وأنّه خلق كلّ هذه النّعم لأجلكم ، وهي على كثرتها لا تقدرون على إحصائها ؛ لقوله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
إبراهيم : 34 .
وخلق لكم هذه النّعم لأمرين :
الأوّل : التّمتّع بنعيم الدّنيا ، والثّاني : معرفة المنعم والدّلالة على وحدانيّة خالقها . ( 1 : 124 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ هذا هو النّعمة الثّانية الّتي عمّت المكلّفين بأسرهم ، وما أحسن ما رعى اللّه سبحانه وتعالى هذا التّرتيب ، فإنّ الانتفاع بالأرض والسّماء إنّما يكون بعد حصول الحياة ، فلهذا ذكر اللّه أمر الحياة أوّلا ثمّ أتبعه بذكر السّماء والأرض .
أمّا قوله : ( خلق ) فقد مرّ تفسيره في قوله :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
البقرة : 21 .
وأمّا قوله : ( لكم ) فهو يدلّ على أنّ المذكور بعد قوله : ( خلق ) لأجل انتفاعنا في الدّين والدّنيا .
أمّا في الدّنيا فليصلح أبداننا ولنتقوّى به على الطّاعات .
وأمّا في الدّين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها .
وجمع بقوله :
ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
جميع المنافع ، فمنها ما يتّصل بالحيوان والنّبات والمعادن والجبال ، ومنها ما يتّصل بضروب الحرف والأمور الّتي استنبطها العقلاء .
وبيّن تعالى أنّ كلّ ذلك إنّما خلقها كي ينتفع بها ، كما قال :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
الجاثية : 13 ، فكأنّه سبحانه وتعالى قال : كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتا فأحياكم ، وكيف تكفرون باللّه وقد خلق لكم ما في السّماوات وما في الأرض جميعا ، أو يقال :