تدحية الأرض ، ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض ، فإنّ ذات السّماء وتسويتها متقدّمة على ذات الأرض ، وحينئذ يعود السّؤال .
وثالثها : وهو الجواب الصّحيح أنّ قوله : ( ثمّ ) ليس للتّرتيب هاهنا ، وإنّما هو على جهة تعديد النّعم ، مثاله قول الرّجل لغيره : أليس قد أعطيتك النّعم العظيمة ثمّ رفعت قدرك ثمّ دفعت الخصوم عنك . ولعلّ بعض ما أخّره في الذّكر قد تقدّم ، فكذا هاهنا ، واللّه أعلم .
( 2 : 153 )
سيّد قطب : يكثر المفسّرون والمتكلّمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسّماء ، يتحدّثون عن القبليّة والبعديّة ، ويتحدّثون عن الاستواء والتّسوية . . .
وينسون أنّ « قبل وبعد » اصطلاحان بشريّان لا مدلول لهما بالقياس إلى اللّه تعالى ، وينسون أنّ « الاستواء والتّسوية » اصطلاحان لغويّان يقرّبان إلى التّصوّر البشريّ المحدود صورة غير المحدود ، ولا يزيدان .
وما كان الجدل الكلاميّ الّذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التّعبيرات القرآنيّة ، إلّا آفة من آفات الفلسفة الإغريقيّة والمباحث اللّاهوتيّة عند اليهود والنّصارى ، عند مخالطتها للعقليّة العربيّة الصّافية ، وللعقليّة الإسلاميّة النّاصعة ، وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة ، فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام .
فلنخلص إذن إلى ما وراء هذه التّعبيرات من حقائق موحية عن خلق ما في الأرض جميعا للإنسان ، ودلالة هذه الحقيقة على غاية الوجود الإنسانيّ ، وعلى دوره العظيم في الأرض ، وعلى قيمته في ميزان اللّه ، وما وراء هذا كلّه من تقرير قيمة الإنسان في التّصوّر الإسلاميّ ؛ وفي نظام المجتمع الإسلاميّ ،
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
البقرة : 29 ، إنّ كلمة ( لكم ) هنا ذات مدلول عميق وذات إيحاء كذلك عميق ، إنّها قاطعة في أنّ اللّه خلق هذا الإنسان لأمر عظيم ، خلقه ليكون مستخلفا في الأرض ، مالكا لما فيها فاعلا مؤثّرا فيها ، إنّه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض ، والسّيّد الأوّل في هذا الميراث الواسع .
ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوّراتها هو الدّور الأوّل ، إنّه سيّد الأرض وسيّد الآلة ، إنّه ليس عبدا للآلة كما هو في العالم المادّيّ اليوم ، وليس تابعا للتّطوّرات الّتي تحدثها الآلة في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدّعي أنصار المادّيّة المطموسون ، الّذين يحقّرون دور الإنسان ووضعه ، فيجعلونه تابعا للآلة الصّمّاء وهو السّيّد الكريم .
وكلّ قيمة من القيم المادّيّة لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان ، ولا أن تستذلّه أو تخضعه أو تستعلي عليه ، وكلّ هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان مهما يحقّق من مزايا مادّيّة ، وهو هدف مخالف لغاية الوجود الإنسانيّ . فكرامة الإنسان أوّلا ، واستعلاء الإنسان أوّلا ، ثمّ تجيء القيم المادّيّة تابعة مسخّرة .
والنّعمة الّتي يمتنّ اللّه بها على النّاس هنا - وهو يستنكر كفرهم به - ليست مجرّد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعا ، ولكنّها - إلى ذلك - سيادتهم على ما في الأرض جميعا ، ومنحهم قيمة أعلى من قيم المادّيّات الّتي