الأرض وهي للمبالغة ، ولهذا قال :
أَبْوابَ السَّماءِ
القمر : 11 ، ولم يقل : أنابيب ولا منافذ ولا مجاري ، أو غيرها .
وأمّا قوله تعالى :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
فهو أبلغ من قوله : وفجّرنا عيون الأرض ، لأنّه يكون حقيقة لا مبالغة فيه ، ويكفي في صحّة ذلك القول أن يجعل في الأرض عيونا ثلاثة ، ولا يصلح مع هذا في السّماء إلّا قول القائل : فأنزلنا من السّماء ماء أو مياها . ومثل هذا الّذي ذكرناه في المعنى لا في المعجز ، والحكمة قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
الزّمر : 21 ، حيث لا مبالغة فيه ، وكلامه لا يماثل كلام اللّه ولا يقرب منه ، غير أنّي ذكرته مثلا
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
النّحل : 60 . ( 29 : 37 )
القرطبيّ : قال عبيد بن عمير : أوحى اللّه إلى الأرض أن تخرج ماءها ؛ فتفجّرت بالعيون ، وإنّ عينا تأخّرت فغضب عليها ، فجعل ماءها مرّا أجاجا إلى يوم القيامة . ( 17 : 132 )
البروسويّ : أي جعلنا الأرض كلّها كأنّها عيون منفجرة ، أي جارية ، وكان ماء الأرض مثل الحميم حرارة . وأصله : وفجّرنا عيون الأرض ، فغيّر عن المفعوليّة إلى التّمييز قضاء لحقّ المقام من المبالغة ، لأنّ قولنا : فجّرنا عيون الأرض ، يكفي في صحّة تفجّر ما فيها من العيون ، ولا مبالغة فيه ، بخلاف : فجّرنا الأرض عيونا ، فإنّ معناه فجّرنا أجزاء الأرض كلّها ، بجعلها عيون الماء . ولا شكّ في أنّه أبلغ . ( 9 : 272 )
سيّد قطب : هو تعبير يرسم مشهد التّفجّر ، وكأنّه ينبثق من الأرض كلّها ، وكأنّما الأرض كلّها قد استحالت عيونا . ( 6 : 3430 )
مدّ الأرض
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً . . .
الرّعد : 3
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى لمّا قرّر الدّلائل السّماويّة أردفها بتقرير الدّلائل الأرضيّة ، فقال :
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ .
واعلم أنّ الاستدلال بخلقة الأرض وأحوالها من وجوه :
الأوّل : أنّ الشّيء إذا تزايد حجمه ومقداره صار كأنّ ذلك الحجم وذلك المقدار يمتدّ ، فقوله :
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
إشارة إلى أنّ اللّه سبحانه هو الّذي جعل الأرض مختصّة بذلك المقدار المعيّن الحاصل له لا أزيد ولا أنقص ، والدّليل عليه أنّ كون الأرض أزيد مقدارا ممّا هو الآن وأنقص منه ، أمر جائز ممكن في نفسه ، فاختصاصه بذلك المقدار المعيّن لا بدّ أن يكون بتخصيص وتقدير مقدّر .
الثّاني : قال أبو بكر الأصمّ : المدّ هو البسط إلى مالا يدرك منتهاه ، فقوله :
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
يشعر بأنّه تعالى جعل حجم الأرض حجما عظيما لا يقع البصر على منتهاه ، لأنّ الأرض لو كانت أصغر حجما ممّا هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به .
والثّالث : قال قوم : كانت الأرض مدوّرة فمدّها ودحاها من مكّة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا .
وقال آخرون : كانت مجتمعة عند البيت المقدّس ،