ومنها أنّ لها طبع الكرم والسّماحة تأخذ واحدة وتردّ سبعمائة
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
البقرة : 261 .
ومنها حياتها وموتها
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
يس : 33 .
ومنها الدّوابّ المختلفة
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
البقرة : 164 .
ومنها النّباتات المتنوّعة
وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
ق : 7 .
فاختلاف ألوانها دلالة ، واختلاف طعومها دلالة ، واختلاف روائحها دلالة ، فمنها قوت البشر ، ومنها قوت البهائم
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
طه : 54 ، ومنها الطّعام ، ومنها الإدام ، ومنها الدّواء ، ومنها الفواكه ، ومنها كسوة البشر : نباتيّة كالقطن والكتّان ، وحيوانيّة كالشّعر والصّوف ، والإبريسم والجلود .
ومنها الأحجار المختلفة ، بعضها للزّينة وبعضها للأبنية . فانظر إلى الحجر الّذي يستخرج منه النّار مع كثرته . وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزّته ، وانظر إلى كثرة النّفع بذلك الحقير ، وقلّة النّفع بهذا الخطير .
ومنها ما أودع اللّه تعالى فيها من المعادن الشّريفة كالذّهب والفضّة .
ثمّ تأمّل أنّ البشر استنبطوا الحرف الدّقيقة والصّنائع الجليلة ، واستخرجوا السّمك من قعر البحر ، واستنزلوا الطّير من أوج الهواء ، لكن عجزوا عن اتّخاذ الذّهب والفضّة ، والسّبب فيه أنّ معظم فائدتهما ترجع إلى الثّمنيّة ، وهذه الفائدة لا تحصل إلّا عند العزّة . والقدرة على اتّخاذهما تبطل هذه الحكمة ، فلذلك ضرب اللّه دونهما بابا مسدودا ، ومن هاهنا اشتهر في الألسنة : من طلب المال بالكيمياء أفلس .
ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصّالحة للبناء والسّقف ، ثمّ الحطب وما أشدّ الحاجة إليه في الخبز والطّبخ ؛ ولعلّ ما تركنا من المنافع أكثر ممّا عدّدنا .
فإذا تأمّل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبّر حكيم ومقدّر عليم ، إن كان ممّن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر . ( 1 : 192 )
أبو حيّان : قدّم ذكر ( الأرض ) على ( السّماء ) - وإن كانت أعظم في القدرة وأمكن في الحكمة وأتمّ في النّعمة وأكبر في المقدار - لأنّ السّقف والبنيان فيما يعهد لا بدّ له من أساس وعمد مستقرّ على الأرض ، فبدأ بذكرها ؛ إذ على متنها يوضع الأساس وتستقرّ القواعد ؛ إذ لا ينبغي ذكر السّقف أوّلا قبل ذكر الأرض الّتي تستقرّ عليها قواعده ، أو لأنّ الأرض خلقها متقدّم على خلق السّماء ، فإنّه تعالى خلق الأرض ومهّد رواسيها قبل خلق السّماء ، قال تعالى :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
فصّلت : 9 ، إلى آخر الآيات . أو لأنّ ذلك من باب التّرقّي بذكر الأدنى إلى ذكر الأعلى .
وقد تضمّنت هاتان الآيتان [ البقرة : 21 و 22 ] من بدائع الصّنعة ودقائق الحكمة وظهور البراهين ما اقتضى تعالى أنّه المنفرد بالإيجاد المتكفّل للعباد ، دون غيره من الأنداد الّتي لا تخلق ولا ترزق ولا لها نفع ولا ضرّ ، ألا للّه الخلق والأمر .