والتّكوين ؟ ! فالإنكار للتّوبيخ والتّبكيت مع تحقّق المنكر دون النّفي ، كما في الوجهين السّابقين . ورجّح بأنّه الأظهر الموافق لقوله تعالى :
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ
المؤمنون : 91 ، والأوفى بحقّ المقام لإفادته نفي وجود إله آخر معه تعالى رأسا ، لا نفي معيّته في الخلق وفروعه فقط .
وقرأ هشام عن ابن عامر ( آاله ) بتوسيط مدّة بين الهمزتين ، وإخراج الثّانية بين بين . وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير ( أإلها ) بالنّصب على إضمار فعل يناسب المقام مثل أتجعلون ، أو أتدعون أو أتشركون . ( 20 : 5 )
14 -
. . . أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ .
النّمل : 62
القرطبيّ :
( أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ )
على جهة التّوبيخ ، كأنّه قال : أمع اللّه ويلكم إله ؛ ف ( اله ) مرفوع ب ( مع ) ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار : أإله مع اللّه يفعل ذلك فتعبدوه .
( 13 : 224 )
15 -
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي . . .
القصص : 38
الطّبريّ : من أنّ لكم وله ربّا غيري ومعبودا سواي .
( 20 : 77 )
الزّمخشريّ : قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده .
معناه مالكم من إله غيري . ( 3 : 179 )
الفخر الرّازيّ : هذا في الحقيقة يشتمل على كلامين ، أحدهما : نفي إله غيره ، والثّاني : إثبات إلهيّة نفسه .
فأمّا الأوّل فقد كان اعتماده على أنّ ما لا دليل عليه لم يجز إثباته . أمّا أنّه لا دليل عليه ، فلأنّ هذه الكواكب والأفلاك كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السّفليّ فلا حاجة إلى إثبات صانع . وأمّا أنّ ما لا دليل عليه لم يجز إثباته ، فالأمر فيه ظاهر .
واعلم أنّ المقدّمة الأولى كاذبة ، فإنّا لا نسلّم أنّه لا دليل على وجود الصّانع ؛ وذلك لأنّا إذا عرفنا بالدّليل حدوث الأجسام عرفنا حدوث الأفلاك والكواكب ، وعرفنا بالضّرورة أنّ المحدث لا بدّ له من محدث ، فحينئذ نعرف بالدّليل أنّ العالم له صانع .
والعجب أنّ جماعة اعتمدوا في نفي كثير من الأشياء على أن قالوا : لا دليل عليه فوجب نفيه ، قالوا : وإنّما قلنا :
إنّه لا دليل ، لأنّا بحثنا وسبرنا فلم نجد عليه دليلا . فرجع حاصل كلامهم بعد التّحقيق إلى أنّ كلّ ما لا يعرف عليه دليل وجب نفيه . وإنّ فرعون لم يقطع بالنّفي بل قال : لا دليل عليه فلا أثبته بل أظنّه كاذبا في دعواه . ففرعون على نهاية جهله أحسن حالا من هذا المستدلّ .
أمّا الثّاني - وهو إثباته إلهيّة نفسه - فاعلم أنّه ليس المراد منه أنّه كان يدّعي كونه خالقا للسّماوات والأرض والبحار والجبال ، وخالقا لذوات النّاس وصفاتهم ؛ فإنّ العلم بامتناع ذلك من أوائل العقول ، فالشّكّ فيه يقتضي زوال العقل . بل « الإله » هو المعبود .
فالرّجل كان ينفي الصّانع ، ويقول : لا تكليف على النّاس إلّا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره . فهذا هو المراد من ادّعائه الإلهيّة لا ما ظنّه الجمهور من ادّعائه كونه خالقا للسّماء والأرض ، لا سيّما وقد دلّلنا في سورة طه : 49 ، في تفسير قوله :
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
على