كما تزعمون لذهب كلّ إله بما خلق .
وقال أبو حيّان « 1 » : « ( إذا ) حرف جواب وجزاء ، ويقدّر قسم يكون ( لذهب ) جوابا له ، والتّقدير : واللّه إذا ، أي إن كان معه من إله لذهب . وهو في معنى ليذهبنّ ، كقوله تعالى :
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا ،
الرّوم : 51 ، أي ليظللن ، لأنّ ( إذا ) تقتضي الاستقبال » وهو كما ترى .
وقد يقال : إنّ ( إذا ) هذه ليست الكلمة المعهودة ، وإنّما هي إذا الشّرطيّة ، حذفت جملتها الّتي تضاف إليها وعوّض عنها التّنوين ، كما في « يومئذ » والأصل : إذا كان معه من إله لذهب . . . إلخ ، والتّعبير ب ( إذا ) من قبيل مجاراة الخصم .
وقيل : ( كلّ اله ) لما أنّ النّفي عامّ يفيد استغراق الجنس ، و ( ما ) في ( بما خلق ) موصولة ، حذف عائدها كما أشرنا إليه .
وجوّز أن تكون مصدريّة ، ويحتاج إلى نوع تكلّف لا يخفى . ولم يستدلّ على انتفاء اتّخاذ الولد إمّا لغاية ظهور فساده أو للاكتفاء بالدّليل الّذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إله ، بناء على ما قيل : إنّ ابن الإله يلزم أن يكون إلها ؛ إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره ، وفيه بحث . ( 18 : 59 )
الطّباطبائيّ : قوله :
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ
ترقّ من نفي الأخصّ إلى نفي الأعمّ . ولفظة ( من ) في الجملتين زائدة للتّأكيد .
وقوله :
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
حجّة على نفي التّعدّد ببيان محذوره ؛ إذ لا يتصوّر تعدّد الآلهة إلّا ببينونتها بوجه من الوجوه ؛ بحيث لا تتّحد في معنى ألوهيّتها وربوبيّتها . ومعنى ربوبيّة الإله في شطر من الكون ونوع من أنواعه تفويض التّدبير فيه إليه ؛ بحيث يستقلّ في أمره من غير أن يحتاج فيه إلى شيء غير نفسه حتّى إلى من فوّض إليه الأمر . ومن البيّن أيضا أنّ المتباينين لا يترشّح منهما إلّا أمران متباينان .
ولازم ذلك أن يستقلّ كلّ من الآلهة بما يرجع إليه من نوع التّدبير ، وتنقطع رابطة الاتّحاد والاتّصال بين أنواع التّدابير الجارية في العالم ، كالنّظام الجاري في العالم الإنسانيّ عن الأنظمة الجارية في أنواع الحيوان والنّبات والبرّ والبحر والسّهل والجبل والأرض والسّماء وغيرها ، وكلّ منها عن كلّ منها .
وفيه فساد السّماوات والأرض وما فيهنّ ، ووحدة النّظام الكونيّ والتئام أجزائه ، واتّصال التّدبير الجاري فيه يكذّبه .
وهذا هو المراد بقوله :
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
أي انفصل بعض الآلهة عن بعض بما يترشّح منه من التّدبير .
وقوله :
وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
محذور آخر لازم لتعدّد الآلهة ، تتألّف منه حجّة أخرى على النّفي .
بيانه أنّ التّدابير الجارية في الكون مختلفة . . . [ ثمّ ذكر كيفيّة الاستعلاء . . . إلى أن قال : ]
هذا ما يعطيه التّدبّر في الآية ، وللمفسّرين في تقرير حجّة الآية مسالك مختلفة ، يبتني جميعها على استلزام
هامش
( 1 ) أبو حيّان ( 6 : 65 ) ذيل الآيةوَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًاالإسراء : 73 .