إقناعيّ للتّوحيد ، لا قطعيّ .
وفي « الكشف » قد لاح لنا من لطف اللّه تعالى وتأييده أنّ الآية برهان نيّر على توحيده سبحانه ، وتقريره أنّ مرجّح الممكنات ، الواجب الوجود تعالى شأنه جلّ عن كلّ كثرة . أمّا كثرة المقوّمات أو الأجزاء الكمّيّة فبيّنة الانتفاء لإيذانها بالإمكان . وأمّا التّعدّد مع الاتّحاد في الماهيّة فكذلك للافتقار إلى المميّز ، ولا يكون مقتضى الماهيّة لاتّحادهما فيه فيلزم الإمكان . ثمّ المميّزان في الطّرفين صفتا كمال ، لأنّ الاتّصاف بما لا كمال فيه نقص ، فهما ناقصان ممكنان مفتقران في الوجود إلى مكمّل خارج هو الواجب بالحقيقة ، وكذلك الافتقار في كمال ما للوجود يوجب الإمكان لإيجابه أن يكون فيه أمر بالفعل وأمر بالقوّة ، واقتضاؤه التّركيب والإمكان .
ومن هنا قال العلماء : إنّ واجب الوجود بذاته واجب بجميع صفاته ، ليس له أمر منتظر . ومع الاختلاف في الماهيّة يلزم أن لا يكون المرجّح مرجّحا ، أي لا يكون الإله إلاها لانّ كلّ واحد واحد من الممكنات إن استقلّا بترجيحه لزم توارد العلّتين التّامّتين على معلول شخصيّ ، وهو ظاهر الاستحالة . فكونه مرجّحا إلها يوجب الافتقار إليه ، وكون غيره مستقلّا بالتّرجيح يوجب الاستغناء عنه ، فيكون مرجّحا [ و ] غير مرجّح في حالة واحدة ؛ وإن تعاونا ، فكمثل [ ذلك ] إذ ليس ولا واحد منهما بمرجّح ، وفرضا مرجّحين مع ما فيه من العجز عن الإيجاد والافتقار إلى الآخر ، وإن اختصّ كلّ منهما ببعض ، مع أنّ الافتقار إليهما على السّواء لزم اختصاص ذلك المرجّح بمخصّص يخصّصه بذلك البعض بالضّرورة وليس الذّات ، لأنّ الافتقار إليهما على السّواء ، فلا أولويّة للتّرجيح من حيث الذّات ولا معلول الذّات ، لأنّه يكون ممكنا ، والكلام فيه عائد ، فيلزم المحال من الوجهين الأوّلين ، أعني الافتقار إلى مميّز غير الذّات ومقتضاها ، ولزوم النّقص لكلّ واحد ، لأنّ هذا المميّز صفة كمال ، ثمّ مخصّص كلّ بذلك التّمييز هو الواجب الخارج لا هما .
وإلى المحال الأوّل الإشارة بقوله تعالى :
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
وهو لازم على تقدير التّخالف في الماهيّة واختصاص كلّ ببعض ، وخصّ هذا القسم لأنّ ما سواه أظهر استحالة . وإلى الثّاني الإشارة بقوله سبحانه :
وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
أي إمّا مطلقا وإمّا من وجه ، فيكون العالي هو الإله أو لا يكون ثمّ إله أصلا ، وهذا لازم على تقديري التّخالف والاتّحاد والاختصاص وغيره ، فهو تكميل للبرهان من وجه وبرهان ثان من آخر ، فقد تبيّن ولاح كفرق الفجر أنّه تعالى هو الواحد الأحد . جعل وجوده زائدا على الماهيّة أولا ، فاعلا بالاختيار أولا . وليس برهان الوحدة مبنيّا على أنّه تعالى فاعل بالاختيار كما ظنّه الإمام الرّازيّ قدّس سرّه ، انتهى .
وهو كلام يلوح عليه مخايل التّحقيق ، وربّما يورد عليه بعض مناقشات تندفع بالتّأمّل الصّادق . وما أشرنا إليه من انفهام قضيّة شرطيّهّ من الآية ظاهر جدّا على ما ذهب إليه الفرّاء ، فقد قال : إنّ ( إذا ) حيث جاءت بعدها اللّام ، فقبلها « لو » مقدّرة ، إن لم تكن ظاهرة ، نحو
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ،
فكأنّه قيل : لو كان معه آلهة