تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها ، ولكنّه لا يتمّ الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيّزها الطّبيعيّ وهو وسط الأفلاك ، لأنّ الثّقال بالطّبع تميل إلى تحت ، كما أنّ الخفاف بالطّبع تميل إلى فوق ؛ والفوق من جميع الجوانب ما يلي السّماء ، والتّحت ما يلي المركز . فكما أنّه يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السّماء ، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك ، لأنّ ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السّماء ، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيّزها إلى علاقة من فوقها ولا إلى دعامة من تحتها ، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها وركز فيها من الميل الطّبيعيّ إلى الوسط الحقيقيّ بقدرته واختياره
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
فاطر : 41 . وممّا منّ اللّه تعالى به على عباده في خلق الأرض ، أنّها لم تجعل في غاية الصّلابة كالحجر ، ولا في غاية اللّين والانغمار كالماء ، ليسهل النّوم والمشي عليها ، وأمكنت الزّراعة واتّخاذ الأبنية منها ، ويتأتّى حفر الآبار وإجراء الأنهار . ومنها أنّها لم تخلق في نهاية اللّطافة والشّفيف ، لتستقرّ الأنوار عليها وتسخّن منها ، فيمكن جوارها . ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء - مع أنّ طبعها الغوص فيه - لتصلح لتعيش الحيوانات البرّيّة عليها ؛ وسبب انكشاف ما برز منها وهو قريب من ربعها أنّها لم تخلق صحيحة الاستدارة ، بل خلقت هي والماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى المواضع الغائرة والمنخفضة منها بقي شيء منها مكشوفا ، وصار مجموع الأرض والماء بمنزلة كرة واحدة ، يدلّ على ذلك فيما بين الخافقين تقدّم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربين ، وفيما بين الشّمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظّاهر وانحطاط الخفيّ للواغلين في الشّمال ، وبالعكس للواغلين في الجنوب ، وتركّب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السّمتين ، إلى غير ذلك من الأعراض الخاصّة بالاستدارة ، يستوي في ذلك راكب البرّ وراكب البحر . ونتوء الجبال وإن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة ، لأنّها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة ، لا في استدارتها . ومنها الأشياء المتولّدة فيها من المعادن والنّبات والحيوان والآثار العلويّة والسّفليّة ، ولا يعلم تفاصيلها إلّا موجدها . ومنها أن يتخمّر الرّطب به ، فيحصل التّماسك في أبدان المركّبات . ومنها اختلاف بقاعها في الرّخاوة والصّلابة والدّماثة والوعورة ، بحسب اختلاف الأعراض والحاجات
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ
الرّعد : 4 . ومنها اختلاف ألوانها
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ
فاطر : 27 . ومنها انصداعها بالنّبات
وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ
الطّارق : 12 . ومنها جذبها للماء المنزل من السّماء
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ
المؤمنون : 18 . ومنها العيون والأنهار العظام الّتي فيها .
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها
الحجر : 19 .