فلو فرضنا إلها ثانيا لكان ذلك الثّاني إمّا أن يكون مشاركا للأوّل في جميع صفات الكمال أولا يكون . فإن كان مشاركا للأوّل في جميع صفات الكمال فلابدّ وأن يكون متميّزا عن الأوّل بأمر ما ؛ إذ لو لم يحصل الامتياز بأمر من الأمور لم يحصل التّعدّد والاثنينيّة . وإذا حصل الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميّز إمّا أن يكون من صفات الكمال أولا يكون . فإن كان من صفات الكمال - مع أنّه حصل الامتياز به - لم يكن جميع صفات الكمال مشتركا فيه بينهما . وإن لم يكن ذلك المميّز من صفات الكمال ، فالموصوف به يكون موصوفا بصفة ليست من صفات الكمال ، وذلك نقصان .
فثبت بهذه الوجوه الثّلاثة أنّ الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد ، وأنّ الزّائد يجب نفيه . فهذه الطّريقة هي الّتي ذكرها اللّه تعالى هاهنا في تقرير التّوحيد . ( 13 :
120 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 7 : 179 )
البيضاويّ : [ نحو الزّمخشريّ وقال : ]
ويجوز أن يكون البعض بدلا أو صفة ، والبعض خبرا . ( 1 : 325 )
أبو السّعود : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
وقيل : الخبر هو الأوّل والبواقي أبدال .
وقيل : الاسم الجليل بدل من المبتدأ ، والبواقي أخبار .
وقيل : يقدّر لكلّ من الأخبار الثّلاثة مبتدأ . وقيل :
يجعل الكلّ بمنزلة اسم واحد . . . ( 2 : 125 )
الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود وقال : ]
وإنّما قال سبحانه هنا :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا
هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ
وفي سورة المؤمن : 62
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
فقدّم سبحانه هنا
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
على
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ،
وعكس هناك .
قال بعض المحقّقين : لأنّ هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى :
جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ *
إلخ ، فلمّا قال جلّ شأنه :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
أتى بعده بما يدفع الشّركة ، فقال عزّ قائلا :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ،
ثمّ :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ .
وتلك جاءت بعد قوله سبحانه :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
المؤمن : 57 ، فكان الكلام على تثبيت خلق النّاس وتقريره ، لا على نفي الشّريك عنه جلّ شأنه ، كما كان في الآية الأولى ، فكان تقديم
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
هناك أولى . واللّه تعالى أعلم بأسرار كلامه . ( 7 : 244 )
الطّباطبائيّ : الجملة الأولى ، أعني قوله :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
نتيجة متّخذة من البيان المورد في الآيات السّابقة ، والمعنى إذا كان الأمر على ما ذكر فاللّه الّذي وصفناه هو ربّكم لا غير ، وقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
كالتّصريح بالتّوحيد الضّمنيّ الّذي تشتمل عليه الجملة السّابقة ، وهو مع ذلك يفيد معنى التّعليل ، أي هو الرّبّ ليس دونه ربّ ، لأنّه اللّه الّذي ليس دونه إله . وكيف يكون غيره ربّا وليس بإله !
وقوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
تعليل لقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ،
أي إنّما انحصرت الألوهيّة فيه ، لأنّه خالق كلّ شيء من غير استثناء ، فلا خالق غيره لشيء من الأشياء حتّى يشاركه في الألوهيّة ، وكلّ شيء مخلوق له ، خاضع