ثناؤه للّذين زعموا أنّ الجنّ شركاء اللّه .
يقول جلّ ثناءه لهم : أيّها الجاهلون إنّه لا شيء له الألوهيّة والعبادة ، إلّا الّذي خلق كلّ شيء ، وهو بكلّ شيء عليم . . . ( 7 : 299 )
الزّمخشريّ : ( ذلكم ) إشارة إلى الموصوف بما تقدّم ، مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة ، وهي :
اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
( 2 : 41 )
الطّبرسيّ : لمّا قدّم سبحانه ذكر الأدلّة على وحدانيّته عقّبه بتنبيه عباده على أنّه الإله المستحقّ للطّاعة والعبادة وتعليمهم الاستدلال بأفعاله عليه ، فقال : ( ذلكم ) ، أي ذلك الّذي خلق هذه الأشياء ودبّر هذه التّدابير لكم أيّها النّاس هو
اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . . . .
( 2 : 344 )
الفخر الرّازيّ : [ نحو الزّمخشريّ وقال : ]
المسألة الثّانية : اعلم أنّه تعالى بيّن في هذه السّورة - بالدّلائل الكثيرة - افتقار الخلق إلى خالق وموجد ، ومحدث ، ومبدع ، ومدبّر . ولم يذكر دليلا منفصلا يدلّ على نفي الشّركاء والأضداد والأنداد . ثمّ إنّه أتبع الدّلائل الدّالّة على وجود الصّانع بأن نقل قول من أثبت للّه شريكا ، فهذا القدر يكون أوجب الجزم بالتّشريك من الجنّ . ثمّ أبطله ، ثمّ إنّه تعالى بعد ذلك أتى بالتّوحيد المحض ؛ حيث قال :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . . . .
وعند هذا يتوجّه السّؤال ، وهو أنّ حاصل ما تقدّم إقامة الدّليل على وجود الخالق ، وتزييف دليل من أثبت للّه شريكا ، فهذا القدر كيف أوجب الجزم بالتّوحيد المحض ؟
فنقول : للعلماء في إثبات التّوحيد طرق كثيرة ، ومن جملتها هذه الطّريقة . وتقريرها من وجوه :
الأوّل : قال المتقدّمون : الصّانع الواحد كاف وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافئ ، فوجب القول بالتّوحيد .
أمّا قولنا : الصّانع الواحد كاف ، فلأنّ الإله القادر على كلّ المقدورات العالم بكلّ المعلومات كاف في كونه إلها للعالم ، ومدبّرا له .
وأمّا أنّ الزّائد على الواحد فالقول فيه متكافئ ، فلأنّ الزّائد على الواحد لم يدلّ الدّليل على ثبوته ، فلم يكن إثبات عدد أولى من إثبات عدد آخر . فيلزم إمّا إثبات آلهة لا نهاية لها ، وهو محال ، أو إثبات عدد معيّن مع أنّه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد ، وهو أيضا محال . وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلّا القول بالتّوحيد .
الوجه الثّاني : في تقرير هذه الطّريقة أنّ الإله القادر على كلّ الممكنات العالم بكلّ المعلومات كاف في تدبير العالم . فلو قدّرنا إلها ثانيا لكان ذلك الثّاني إمّا أن يكون فاعلا وموجدا لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون .
والأوّل باطل ، لأنّه لمّا كان كلّ واحد منهما قادرا على جميع الممكنات فكلّ فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلا لذلك الفعل مانعا للآخر عن تحصيل مقدوره ؛ وذلك يوجب كون كلّ واحد منهما سببا لعجز الآخر ، وهو محال .
وإن كان الثّاني لا يفعل فعلا ولا يوجد شيئا ، كان ناقصا معطّلا ، وذلك لا يصلح للإلهيّة .
والوجه الثّالث : في تقرير هذه الطّريقة أن نقول : إنّ هذا الإله الواحد لا بدّ وأن يكون كاملا في صفات الإلهيّة .