. . . و ( من ) مزيدة للاستغراق كما نصّ على ذلك النّحاة ، وقالوا في وجهه : لأنّها في الأصل « من » الابتدائيّة حذف مقابلها إشارة إلى عدم التّناهي ، فأصل لا رجل : لا من رجل ، إلى ما لا نهاية له . ( 6 : 207 )
رشيد رضا : قال تعالى ردّا عليهم [ النّصارى ]
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
أي قالوا قولهم هذا بلا رويّة ولا بصيرة . والحال أنّه ليس في الوجود ثلاثة آلهة ولا اثنان ولا أكثر من ذلك ، لا يوجد إله مّا إلّا إله متّصف بالوحدانيّة ، وهو اللّه الّذي لا تركيب في ذاته ولا تعدّد .
وهذه العبارة أشدّ تأكيدا لنفي تعدّد الإله من عبارة :
« لا اله الّا اله واحد » ، لأنّ ( من ) بعد ( ما ) تفيد استغراق النّفي وشموله لكلّ نوع من أنواع المتعدّد وكلّ فرد من أفراده ، فليس ثمّ تعدّد ذوات وأعيان ، ولا تعدّد أجناس أو أنواع ، ولا تعدّد جزئيّات أو أجزاء . والنّصارى قد اقتبسوا عقيدة التّثليث عمّن قبلهم ولم يفهموها ، وعقلاؤهم يتمنّون لو يقدرون على التّفصّي منها ، ولكنّهم إذا أنكروها بعد هذه الشّهرة تبطل ثقة العامّة بالنّصرانيّة كلّها . كما قال أحد عقلاء القسوس لبعض أهل العلم العصريّ من الشّبّان السّوريّين . . . [ وللكلام تتمّة في نفي التّثليث فراجع ] ( 6 : 484 )
الطّباطبائيّ : وفي قوله تعالى :
وَما مِنْ إِلهٍ . . .
من التّأكيد في إثبات التّوحيد ما ليس في غيره ؛ حيث سيق الكلام بنحو النّفي والاستثناء ، ثمّ أدخل ( من ) على النّفي لإفادة تأكيد الاستغراق ، ثمّ جيء بالمستثنى وهو قوله : ( اله واحد ) بالتّنكير المفيد للتّنويع . ولو أورد معرفة كقولنا : « إلّا الإله الواحد » لم يفد ما يرام من حقيقة التّوحيد .
فالمعنى ليس في الوجود شيء من جنس الإله أصلا إلّا إله واحد ، نوعا من الوحدة لا يقبل التّعدّد أصلا ، لا تعدّد الذّات ولا تعدّد الصّفات ، لا خارجا ولا فرضا .
ولو قيل : وما من إله إلّا اللّه الواحد ، لم يدفع به قول النّصارى :
إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
المائدة : 73 ، فإنّهم لا ينكرون الوحدة فيه تعالى ، وإنّما يقولون : إنّه ذات واحدة لها تعيّن بصفاتها الثّلاث ، وهي واحدة في عين أنّها كثيرة حقيقة .
ولا يندفع ما احتملوه من المعنى إلّا بإثبات وحدة لا تتألّف منه كثرة أصلا ، وهو الّذي يتوخّاه القرآن الكريم بقوله :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ .
وهذا من لطائف المعاني الّتي يلوح إليها الكتاب الإلهيّ في حقيقة معنى التّوحيد ( 6 : 71 )
وله رحمه اللّه بحث واف روائيّ وعقليّ وتاريخيّ ، في معنى توحيده تعالى . فراجع المصدر من ص 86 - 108 ، وغيره من نصوص « وح د » .
أحمد بدويّ : يخاطب القرآن بأسلوب القصر من يعتقد الشّركة ، فيثبت القرآن بهذا الأسلوب الحكم لواحد ، وينفيه عن غيره ، كما في قوله تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
المائدة : 73 . ( من بلاغة القرآن : 157 )
9 -
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ . . .
الأنعام : 102
الطّبريّ :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
هذا تكذيب من اللّه جلّ