نظير ذلك قوله تعالى في قصّة الإفك :
وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
النّور : 16 ، فإنّ من حقّه تعالى عليهم أن إذا سمعوا بهتانا وأرادوا تنزيه من بهت عليه أن ينزّهوا اللّه قبله ، فإنّه تعالى أحقّ من يجب تنزيهه . فموضع قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
موضع الثّناء عليه تعالى ، لاستيفاء حقّ تعظيمه ، ولذا تمّم بالاسمين : ( العزيز الحكيم ) ، ولو كان في محلّ النّتيجة من الشّهادة لكان حقّ الكلام أن يتمّم بوصفي الوحدة والقيام بالقسط ، فهو تعالى حقيق بالتّوحيد إذا ذكرت الشّهادة المذكورة على وحدانيّته ، لأنّه المتفرّد بالعزّة الّتي يمنع جانبه أن يستذلّ بوجود شريك له في مقام الألوهيّة ، والمتوحّد بالحكمة الّتي تمنع غيره أن ينقض أمره في خلقه أو ينفذ في خلال تدبيره . وما نظمه من أمر العالم فيفسد عليه ما أراده .
وقد تبيّن بما مرّ من البيان وجه تكرار كلمة التّوحيد في الآية ، وكذا وجه تتميمها بالاسمين : ( العزيز الحكيم ) . ( 3 : 117 )
فضل اللّه : التّوحيد حقيقة الوجود
إنّ القرآن الكريم يواجه المنكرين الكافرين باللّه بعدّة أساليب ، في تقريره لحقيقة الوحدانيّة ، فقد يتمثّل ذلك في طريقة الاستدلال العقليّ ، وقد يتّخذ أسلوب الدّليل الاستقرائيّ الّذي يدعو إلى السّير في الأرض ، والتّأمّل في خلق اللّه ، وقد يتمثّل في الأسلوب الّذي يوحي بها في مجال الإعلان ، بأنّها الحقيقة الحاضرة الّتي تعبّر عن نفسها من دون حاجة إلى دليل ، تماما كما هي الأمور الحسّيّة الّتي تثبت بالحسّ ، كما في هذه الآية ، الّتي تبدأ الموضوع بشهادة اللّه أنّه الواحد الّذي لا إله إلّا هو ، في حضور الحقيقة في ذاته ، وشهادة الملائكة في إدراكهم ، لعظمة اللّه من خلال منازل القرب إلى مواطن عظمته ، وأولي العلم في ما يقودهم إليه العلم من الإحساس اليقينيّ بهذه الحقيقة .
وفي ذلك إيحاء ، بأنّ المنكرين الّذين لا يشهدون بهذه الحقيقة ، لا ينطلقون من علم ، بل بتحرّكون في متاهات الجهل . والقيام بالقسط ، وهو العدل . هو من لوازم الوحدانيّة الّتي توحي بالقوّة المطلقة والغنى المطلق الّذي يملك كلّ شيء ، ولا يحتاج شيئا ، فكيف يمكن أن يظلم ، والظّلم هو عقدة الضّعيف ؟ كما ورد في دعاء عن الإمام الباقر عليه السّلام عقيب صلاة اللّيل : « وقد علمت يا إلهي أنّه ليس في نقمتك عجلة ، ولا في حكمك ظلم ، وإنّما يعجل من يخاف الموت ، وإنّما يحتاج إلى الظّلم الضّعيف ، وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علوّا كبيرا » . وعلى هذا ، فإنّ الشّهادة بالوحدانيّة تستتبع الشّهادة بأنّ اللّه هو القائم بالقسط . وقد كرّرت الآية كلمة « التّوحيد » لتقرير العقيدة الواضحة ، من خلال هذه الشّهادة العظيمة .
وهو العزيز الحكيم ، فلا مجال للانتقاص من عزّته ، من قبل أيّ أحد من خلقه ، في كلّ ما يفعله وما يقوله ، ولا مجال للتّشكيك في حكمته في ما خلق ودبّر ، وفي ما نظّم للحياة من قوانين كونيّة في ظواهر الكون ، ومن قوانين شرعيّة في تشريع الحياة للإنسان . ( 5 : 270 )
6 -
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
آل عمران : 62