الأرض ذات الطّول والعرض أسهل . ( 1 : 234 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه سبحانه وتعالى ذكر هاهنا أنّه جعل الأرض فراشا ، ونظيره قوله :
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً
النّمل : 61 ، وقوله :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
طه : 53 .
واعلم أنّ كون الأرض فراشا مشروط بأمور :
الشّرط الأوّل : كونها ساكنة ؛ وذلك لأنّها لو كانت متحرّكة لكانت حركتها إمّا بالاستقامة أو بالاستدارة .
فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشا لنا على الإطلاق ، لأنّ من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض ، لأنّ الأرض هاوية ، وذلك الإنسان هاو ، والأرض أثقل من الإنسان ، والثّقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما ، والأبطأ لا يلحق الأسرع ؛ فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض ، فثبت أنّها لو كانت هاوية لما كانت فراشا .
أمّا لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها ، لأنّ حركة الأرض مثلا إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرّك إلى جانب المغرب ، - ولا شكّ أنّ حركة الأرض أسرع - فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه ، وأنّه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد ، فلمّا أمكنه ذلك علمنا أنّ الأرض غير متحرّكة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة . ثمّ اختلفوا في سبب ذلك السّكون على وجوه . [ ثمّ ذكر الوجوه إلى أن قال : ]
الشّرط الثّاني : في كون الأرض فراشا لنا أن لا تكون في غاية الصّلابة كالحجر ، فإنّ النّوم والمشي عليه ممّا يؤلم البدن ، وأيضا فلو كانت الأرض من الذّهب مثلا لتعذّرت الزّراعة عليها ، ولا يمكن اتّخاذ الأبنية منه لتعذّر حفرها وتركيبها كما يراد ، وأن لا تكون في غاية اللّين كالماء الّذي تغوص فيه الرّجل .
الشّرط الثّالث : أن لا تكون في غاية اللّطافة والشّفّافيّة ، فإنّ الشّفّاف لا يستقرّ النّور عليه ، وما كان كذلك فإنّه لا يتسخّن من الكواكب والشّمس ، فكان يبرد جدّا ، فجعل اللّه كونه أغبر ، ليستقرّ النّور عليه فيتسخّن ؛ فيصلح أن يكون فراشا للحيوانات .
الشّرط الرّابع : أن تكون بارزة من الماء ، لأنّ طبع الأرض أن يكون غائصا في الماء ، فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض ، ولو كانت كذلك لما كانت فراشا لنا ، فقلب اللّه طبيعة الأرض ، وأخرج بعض جوانبها من الماء - كالجزيرة البارزة - حتّى صلحت لأن تكون فراشا لنا .
ومن النّاس من زعم أنّ الشّرط في كون الأرض فراشا أن لا تكون كرة ، واستدلّ بهذه الآية على أنّ الأرض ليست كرة . وهذا بعيد جدّا ، لأنّ الكرة إذا عظمت جدّا كانت القطعة منها كالسّطح في إمكان الاستقرار عليه ، والّذي يزيده تقريرا أنّ الجبال أوتاد الأرض ، ثمّ يمكن الاستقرار عليها ، فهذا أولى ، واللّه أعلم . ( 2 : 102 )
النّيسابوريّ : هاهنا مسائل :
الأولى : في منافع الأرض ؛ الفراش : اسم لما يفرش ، كالمهاد لما يمهد والبساط لما يبسط ، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستويا كالفراش على ما ظنّ ، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة ،