تلك الشّهادات .
الثّالث : فائدة هذا التّكرير الإعلام بأنّ المسلم يجب أن يكون أبدا في تكرير هذه الكلمة ، فإنّ أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة . فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها وبتكريرها ، كان مشتغلا بأعظم أنواع العبادات ، فكان الغرض من التّكرير في هذه الآية حثّ العباد على تكريرها .
الرّابع : ذكر قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أوّلا ، ليعلم أنّه لا تحقّ العبادة إلّا له تعالى ، وذكرها ثانيا ليعلم أنّه القائم بالقسط ، لا يجور ولا يظلم . ( 7 : 221 )
الرّازيّ : فإن قيل : ما فائدة تكرار قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ *
في قوله : ( شهد اللّه ) ؟ قلنا : الأوّل قول اللّه عزّ وجلّ ، والثّاني حكاية قول الملائكة وأولي العلم .
( مسائل الرّازيّ : 28 )
النّسفيّ : كرّر [ التّهليل ] للتّأكيد . ( 1 : 149 )
أبو حيّان : كرّر التّهليل توكيدا ، وقيل : الأوّل شهادة اللّه والثّاني شهادة الملائكة وأولي العلم . وهذا بعيد جدّا ، لأنّه يؤدّي إلى قطع ( الملائكة ) عن العطف على ( اللّه ) تعالى ، وعلى إضمار فعل رافع ، أو على جعلهم مبتدأ ، وعلى الفصل بين ما يتعلّق بهم وبين التّهليل بأجنبيّ ، وهو قوله :
قائِماً بِالْقِسْطِ .
وقيل : الأوّل جار مجرى الشّهادة ، والثّاني مجرى الحكم .
وقيل : هذا الكلام ينطوي على مقدّمتين ، وهذا هو نتيجتهما . فكأنّه قال : شهد اللّه والملائكة وأولو العلم وما شهدوا به حقّ ، فلا إله إلّا هو حقّ ؛ فحذف إحدى المقدّمتين للدّلالة عليها . وهذا التّقدير كلّه لا يساعد عليه اللّفظ . ( 2 : 406 )
ابن القيّم : قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
ذكر محمّد بن جرير الطّبريّ أنّه قال : الأولى وصف وتوحيد ، والثّانية :
رسم وتعليم ، أي قولوا :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ .
ومعنى هذا : أنّ الأولى تضمّنت أنّ اللّه سبحانه شهد بها وأخبر بها . والتّالي للقرآن ، إنّما يخبر عن شهادة اللّه ، لا عن شهادته هو . وليس في ذلك شهادة من التّالي نفسه .
فأعاد سبحانه ذكرها مجرّدة ليقولها التّالي . فيكون شاهدا هو بها أيضا .
وأيضا : فالأولى خبر عن الشّهادة بالتّوحيد ، والثّانية خبر عن نفس التّوحيد . وختم بقوله :
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فتضمّنت الآية توحيده وعدله ، وعزّته وحكمته .
فالتّوحيد يتضمّن ثبوت صفات كماله ، ونعوت جلاله ، وعدم المماثل له فيها ، وعبادته وحده لا شريك له .
والعدل يتضمّن وضعه الأشياء موضعها ، وتنزيلها منازلها ، وأنّه لم يخصّ شيئا منها إلّا بمخصّص اقتضى ذلك ، وأنّه لا يعاقب من لا يستحقّ العقوبة ، ولا يمنع من يستحقّ العطاء ، وإن كان هو الّذي جعله مستحقّا .
والعزّة تتضمّن كمال قدرته وقوّته وقهره . والحكمة تتضمّن كمال علمه وخبرته ، وأنّه أمر ونهى ، وخلق وقدّر ، لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة الّتي يستحقّ عليها كمال الحمد .